قطط سواكن .. حكايات وحكايات

صورة العضو الشخصية
عمار
.
.
مشاركات: 209
اشترك في: الاثنين أكتوبر 18, 2004 8:51 am


مكان: السعودية
اتصال:

قطط سواكن .. حكايات وحكايات

مشاركة غير مقروءة بواسطة عمار » السبت ديسمبر 25, 2004 11:00 am



تحقيق حسام الدين ميرغني

ذهبت مبكرا للصياد ين وجدت منهم من يجهز لرحلة صيد ، حدثوني عن قصصها الغريبة واساطيرها التي هي اقرب للخيال، اخبروني عن «تهاشو» المرأة الفاتنة المتعطرة.. تجذب عقول الرجال.. تباريها.. توديك الخلاء.. تجدها ما في وتجد نفسك في خيران سنكات.. ولو جيت راجع بنصف عقلك.. يكون كويس..
هناك مقولة سواكن اصلها «سواجن» لان سيدنا سليمان سجن بها الجن في زمان كان..
في هذا الملف «ونسة» اثرنا ان نتطرق لجانب غير مطروق وعارفين الكلام دا بجيب كلام.. لكن ما في مشكلة..
وحتى «نحوش» الموضوع.. ذهبت الى الاستاذ القامة/ ادريس الامير العارف ببواطن سواكن وصاحب اغنية «سواكن» المشهورة فهو موسوعة تاريخية وتراثية وثقافية مدهشة وبعد الكرم الفياض في منزله العامر فتحت له الموضوع ، وقبل ان يشرع في الحديث مر بجواري كديس «اربعة في اربعة» ابتسم وقال اها دا بيان بالعمل، فهذه القطة التي تراها ترقد في السرير وتجر الغطاء عليها وبتعمل ليها في حاجات شافع كبير ما بيسويها.. غايتو لميت «كرعيني» علي وتركتها حتى ذهبت وفتحت الموضوع مرة ثانية. قلت «الكديسة» دي تقوم تدينا «افادة» تخلي صامولتنا تحلج!!
* استاذ ادريس.. اتمنى ان تحدثنا من خلال تجربتك مع المنطقة ومقارنة هذه الاشياء بمعرفتك الدينية والثقافية الثرة.
ـ هذه المسائل يمكن ربطها بأن سواكن كانت يوما ما سجنا للجن في عهد سليمان وهذه رواية متفق عليها، وللذين لا يصدقون هذه القصص ففي القرآن الكريم تثبيت بأمر الجن في قصة سليمان والعرش، فقال له عفريت اني آتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك ، وهنا تتجسد قصة سيدنا سليمان ووزيره «اصف بن برخية» مع الجن. والجن معروف انه يتواجد في «الخرابات» و«البحار» وهذه موجودة في حالة «سواكن».. وهناك جن مسلم يتواجد معنا وعوالم اخرى لا نراها وهناك دلالات مثلا «نفض السرير» واغلاق الابواب عند المغرب.. وغيره ، ومن الحكاوي التي عاصرتها وسمعتها قصة شاب، متزوج ولديه اطفال يعمل صيادا وكان يصطاد يوما ما ودخل عليه الليل وفي وسط الظلام الداكن وفي منتصف البحر ظهرت له حورية جميلة ومن فرط جمالها نسى نفسه اين هو فانسجم معها في ونسة وتعارف طويل.. تأخر حتى قلقت زوجته فليس من عاداته هذا التأخير. عاد الى المنزل بعد ان اتفق معها على لقاء غدا في نفس المكان، زوجته شعرت بأنه متغير وسارح ولم يخبرها بما حدث.
اصبح يلاقي «الحورية» على الشاطيء يوميا وصارحها بالزواج فاشترطت عليه تطليق زوجته، الرجل استشار احد اصحابه في السوق فحذره صاحبه ان تكون هذه «جنية» ولكنه لم يكترث.. فعلا طلق زوجته واخرجها من المنزل حتى يتزوج عشيقته القادمة. كانت هنالك ظاهرة غريبة تستدعي انتباه الرجل.. كان دائما يشاهد «قطا ميتا» بالقرب من الشاطيء اثناء انتظاره لها.. ولكن عندما تكون هذه الحورية معه لا يشاهد المنظر هذا.. وكانت الحورية تأتي له في منتصف البحر.. جمالها الفاتن كان يحجب عنه نعمة التفكير.
في اللقاء الذي كان سيحدد فيه موعد زواجه منها حضر مبكرا ووجد «الجيفة» بتاعت القطة موجودة وانتظر، ظهرت الفتاة في وسط البحر، اخبرها في روح معنوية عالية بما فعله مع زوجته وانه لا يوجد ما يمنع زواجهما بعد الآن.. وهنا فتحت الحورية ذراعيها لاحتضانه.. عندها!! وجد الرجل نفسه يحتضن تلك «الجيفة» بتاعت القط الميت الذي كان يشاهده مرارا وتكرارا.
طبعا.. صرخ وهرول.. واصبح يجوب شوارع «سواكن» بلا هدف.
* بعد هذه القصص شكرت الاستاذ ادريس الامير وكان الليل قد انتصف والظلام يغطي المكان فتناولت «ركشة» من عتبة بابه حتى عتبة بابنا.. ومولع النور للصباح!!
* في اليوم التالي توجهت صوب الكاتبة المعروفة نفيسة الشرقاوي «ام احمد» مديرة الثقافة بالولاية كما انها وفي مجموعتها القصصية «وعادت الغربة» دونت نوعا من هذه الحكايات، حيث جاء في قصة «القطة البيضاء»..
(امي كانت تقص علينا حكاية غريبة عن القطط واسرارها.. عندما كانت تعيش مع ابي في فترة عمله القصيرة في مدينة سواكن في شرق السودان.. وكيف كانوا يسمون القطط «الكديسة» او «البسة» او «العرَّى» وكيف كانت القطط تتحدث عن الانسان تماما.. وكانت تردد حكاية كدت ان احفظها عن ظهر قلب.. بأن رجلا جاء الى سواكن في مهمة عمل لتخليص بضاعته من الجمارك حيث ان سواكن كانت ميناء السودان قبل افتتاح ميناء بورتسودان عام 1906 تقريبا،، وفجأة ظهرت له قطة بيضاء جميلة.. وهو جالس يأكل في احد المطاعم وحدثته في همس ان يحمل رسالة شفاهية الى زوجها في بورتسودان ويقول له: ان اهلك بخير وقد وضعوا لك بنتا جميلة.. وقالت: لا تبحث طويلا فهو دائم الجلوس في قهوة «ارامونا» اسم الخواجة الذي اسسها في عام 1926 تقريبا.
وسافر الرجل بعد انتهاء مهمته حسب رواية امي.. وجلس في القهوة المختارة.. واحتار كيف يوصل هذه الرسالة قبل ان يغادر الى بربر وبعد ان شرب القهوة والشاي احس بنقرة خفيفة تدق في اسفل قدمه رفع قدمه بهلع عندما رأي قطا كبيرا اسود يقف تحت اقدامه يمد يده بعد ان وقف مستقيما على ارجله الاثنين ويده الواحدة.. علامة السلام والاحترام للرجل.. ردد الرجل في خوف شديد وفزع قائلا وهو يرتجف: اهلك بخير ويسلمون عليك.. اومأ القط الكبير محييا الرجل واستدار واختفي.. وقف الرجل من الكرسي وهرول مسرعا بالخروج من القهوة وهو يردد اعوذ بالله من الشيطان الرجيم اعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أ.هـ)
* «ام احمد» هنا جمعت بين «الزمكانية» و«الميثوس» وادخلت نوعا من التراث المحلي والقصص المتداولة في تناولها الادبي.. ذهبت اليها مساء.. سألتها عن قطط سواكن.. وحكاويها التي وصلت مرحلة تناولها في سردها القصصي فقالت:
منذ الطفولة نسمع بأن هناك في سواكن قطط «كدايس» لها المقدرة على الحديث ومن هنا تكمن الغرابة والاسطورة ومن قصص الاسطورة التي رسخت عندي هذه التي تناولتها في مجموعة «وعادت الغربة» فهذه الروايات لها تأثير على الكتابة والخيال والابداع والكاتب ـ لا جدال ـ يهتم بواقعه واشيائه..
انا شخصيا زرت سواكن كذا مرة ، مناسبات، ورحلات وخلافه.. شاهدت قططا.. ملونة وبيضاء وسوداء وغيره تقترب عند تناولك الطعام.. واذا لم تعطها «تخطف» منك عنوة وحقيقة لها تصرفات غريبة غير مألوفة مما يصيبك بالرهبة.. حجمها ضخم.. ونظراتها كلام عديل.. ومخيفة.. كما ان سواكن هي «سواجن» في الروايات التاريخية والناس لهم حكاوى كثيرة هنا مع القطط والحوريات.. وحكاوي الصيادين.. وما يشاهدونه من غرائب وعجائب واشياء تظهر وتختفي في عرض البحر.. وهناك قصص «الحوريات» اللائي يأخذن الشباب.
ومهما يكن فهذه اشياء اصبحت ملمسا وتراثا للمكان.
* توجهت نحو المستشفى النفسي بوسط المدينة «بورتسودان» في نهار بارد وجو منعش.. التقيت اثناء مروري اليها مئات من القطط المختلفة.. وبعد الكلام دا قربت القى عليهم التحايا العطرة ، دلفت الى مكتب الاخ بيرق مجذوب هشيم مساعد طبي نفساني من ابناء الشرق.. سألته عن هذه الامور وهذه الحكاوي التي جلبت لي السهر والحمى.. فقال:
ـ هناك قصص تروى في منطقة ا لبحر الاحمر اي في مدينة سواكن تحديدا.. اعتقد انها غير حقيقية تماما وبها شيء من المزايدات.. بعض الناس يتخيلون بأن القطط هناك عبارة عن «جان» ومن هنا نبع مصدر الخوف والتخيل.
ظهرت هذه الحكايات لكثرة القطط والظروف الحياتية والتوالد الذي حصل وشبه هجرة الناس من سواكن منذ فترات طويلة جدا.. والحصيلة كانت كثرة القطط في الخرابات واختلاق الناس لهذه الاساطير..
والقطط قد تسبب بعض الامراض الجلدية والحساسية وغيره واضطربات في الجهاز التنفسي.. ويمكن لهذا ان يكون سببا في الذعر والخوف والنفور.. وكلها قد تعني «الفوبيا» وهي كلمات مترادفة وهي حالات خوف مرضي من موضوع او شيء معين او موقف ما.. وذلك لا يثير عادة الشخص العادي وقد يكون الخوف من المناطق الواسعة.. العالية.. والاماكن المظلمة.. او بعضا من الحيوانات مثل الكلاب وهذه حالات مرضية تزول بزوال المسبب وتوجيه الشخص للعلاج السلوكي.. و«الفوبيا» تعتبر من الحالات الملائمة للعلاج بالتحليل النفسي وذلك للقدرة الطبية على الطرح.. وهناك انواع اخرى للفوبيا مثلا.. فوبيا البحر.. التلوث.. ركوب الطائرات.. الماء وغيره..
اما السؤال الذي يطرح نفسه هل الخوف من الكدايس في سواكن نفس الخوف من القطط في الخرطوم وكسلا والابيض مثلا؟ اذا كانت الاجابة لا.. اذن الخوف غير مبرر وهذه ليست حالة «فوبيا» ولكن اساطير الهبت نفسية الناس .. والله اعلم.
** شكرت «بيرقا» لهذه الافادات وتوجهت لمحطة اخيرة «منصور» من ابناء «الحباب» صاحب محل مأكولات وجدت تحت تربيزته «فرقة» بتاعت كدايس.. بدا لي متضايقا منها بصورة واضحة .. دردشت معه حول قصصها وانا اتناول بين الفينة والاخرى شيئا من «طشت الطعمية».
حكى لي قصة «الداية» التي سمعت طرقا على بابها منتصف الليل وجدت مجموعة من الناس يركبون الحمير واخبروها ان لهم امرأة تتأهب للوضوع المستعجل.. ركبت معهم.. وانطلقوا في طرقات «سواكن» باتجاه الشاطيء.. والجميع في صمت تام.. واذا بهم يشقون البحر.. قالوا ليها «ما تخافي».. صمدت.. نزلوا تحت البحر.. وجدت منازل.. متاجر.. يعني رحلة عديل يا «اسماعيل»..
وبعدين.. دخلوها بيت فيهو واحدة راقدة.. دخلت «الداية» اتمت عملية الوضوع في سلام.. انطلقت الزغاريد والاهازيج.. اكرموها وفي طريق العودة للبر.. سألتهم.. تطلعوا شنو انتو «خفت يقولوا ليها نحن معجون ابو وردة!!» قالوا ليها نحن نسكن في هذه الارض معكم وما بنضر زول وهذه التي قمتي بتوليدها «انسية»!!
ـ وهنا سألت «منصور».. لو كلامك دا صاح.. المولود جنسو شنو!! يعني نوعو شنو!!
فقال لي: تاني ما تسألني والله يعوضنا في «الطعمية»..
ذهبت وانا في بالي ان «اسأل العنبة الرامية في نص البحر!!»

جريدة الصحافة

صورة العضو الشخصية
عمار
.
.
مشاركات: 209
اشترك في: الاثنين أكتوبر 18, 2004 8:51 am


مكان: السعودية
اتصال:

مشاركة غير مقروءة بواسطة عمار » الأحد ديسمبر 26, 2004 11:04 am

wintak
شكرا اخى الكريم على الطله
ويبقى الناس منقسمين بين الحقيقة والاسطورة

صورة العضو الشخصية
عمار
.
.
مشاركات: 209
اشترك في: الاثنين أكتوبر 18, 2004 8:51 am


مكان: السعودية
اتصال:

مشاركة غير مقروءة بواسطة عمار » الأحد ديسمبر 26, 2004 11:06 am

بسم الله الرحمن الرحيم

منذ طفولتي وأنا اسمع الأساطير والحكايات عن أصل سواكن ونشأتها ..و..وقد حفظت في الطفولة من ديوان احد الشعراء السواكنية قصيدة لا اذكر منها إلا مقدمتها وهي :


[ يروون في المقال أنّ سبع "جن"

أتوا على سفينة من اليمن

ضلت بهم طريقها بين المحن...........]

وخلاصتها أن سبعة من الجن أسسوا سواكن , وهناك أساطير أخرى عن سيدنا سليمان و انه سجن الجن بسواكن أو "سواجن" , و وغيرها من الأساطير الجميلة , ولارتباط تاريخ سواكن بالأسطورة كان لابد أن نبدأ كلامنا عنها بحكاية هي أصدق من كل تلك الأساطير.

* * *

يحكي أنه في جميل من الزمان و معروف من المكان عاشت فتاة مختلفة , فتاة عرفها الناس فتاة..., لم يعرفوها طفلة ولا عرفوها صبية , عرفوها كاعبا فاتنة تخطف الأبصار وتخلب الألباب , وهم لا يذكرون أباها ولا أمها ولا طفولتها ومع ذلك أحسوا منذ أول يوم رأوها فيه بأنهم يعرفونها حق المعرفة !

فتاة مختلفة حقا. ...مختلفة عما حولها في مظهرها....فقد كانت بيضاء ناصعة حتى قيل إنها قد شيدت بالحليب الخالص، بينما كان ما حولها أغبر.

و مختلفة في ملبسها.... فقد كانت ترتدي " المالاكوف " و "الساري الهندي " بينما كان جاراتها يكتفين بالتوب إن وجد . وكانت لا تخرج إلى الطريق حتى لا ترى الرجال أو يرونها , وان اضطرت لمخاطبة الرجال فعلت ذلك من وراء حجب أو من خلف المشربيات الخشبية التي كانت من مميزات وضروريات دورها وقصورها.

... و مختلفة عما حولها في مطعمها... فقد كانت توفر لنفسها و لضيوفها صيد البر وصيد البحر! كان صيد البحر لديها في كل مكان , ولم يكن صيد البر بعيدا...إذ كان يكفيها أن ترسل صبيانها إلى " وهجايت قبا " أي (سدرة الأسد ) فيرجع أصغرهم وقد أوقر حمارا بالآرام والغزلان والثعالب. وكان طبقها الرئيسي الأرز بينما كان جيرانها يفضلون الذرة. وكانت تتفكه فتوفر البطيخ اليافاوي والتمر العراقي والتفاح الشامي و..كل خيرات الجزيرة العربية والهند.

وكانت مع جمالها وفتنتها كريمة متواضعة : فتحت بيتها لكل طارق , اجتمع فيها الحضرمي اليمني بالكابلي الأفغاني بالكاظمي العراقي بالشنقيطي فأغنت كلا منهم وصارت له أهلا ووطنا .

... كانت ديّنة تحب رجال الدين... فقصدها العلماء والفقهاء -" ومن آخر من قصدها منهم الشيخ المجذوب وتاج السر الميرغني"- ففتحت لكل من قصدها منهم قلبها وبيتها وأعدت لهم المساجد و المنابر والزوايا والتكايا.

وكانت حكيمة أيضا ... اجتمع فيها الحنفي والشافعي مع المالكي فساستهم وأصلحت ما طرأ من خلاف بينهم , وجعلت لكل منهم مسجده وقاضيه وخطيبه, فعاشوا متحابين متآلفين كما جدر بأبناء الأمة أو الأم الحكيمة التي لا تفرق بين أبنائها.

أما الضيوف العابرين إلى جدة-أي الحجاج – فقد كانوا شغلها الشاغل , كان موسمهم عندها يوم عرس تشمر فيه عن ساعديها وتخدمهم خدمة لا ترجو من ورائها أجرا أو شكرا من بشر , فقد كانت تعتبرهم سبب وجودها ومهمتها في الحياة ..أو ليسوا ضيوف الرحمن ؟ أو ليست هي ميناء الحج الأول في أفريقيا؟ أو ليست أقرب المواني إلى جدة ؟ وكان إكرامها لهم يصل إلى حد أنها كانت تزودهم ولو بقوت أولادها فتعَوَّد أهل جدة أن ينتظروا الآتين منها بفارغ الصبر لأنهم يأتون بالعسل والسمن و" الخروف السواكني".


و مع الأيام انتشر ذكرها واتسعت شهرتها, فتسامع بها الناس وعشقوها حتى قبل أن يروها... كثر عشاقها فكان منهم من يصلي إليها – لأنها في اتجاه مكة لأغلب أهل أفريقيا – ومنهم من أتى إليها مشيا من ساحل المحيط الأطلسي في رحلة استغرقت أشهرا وربما أعواما أحيانا , ومنهم من قطع إليها المحيط الهندي وبحر العرب , فلم يجد فيهما جزيرة تقريه بالبقاء غيرها.

وسمع بها الشعراء ..., فرغبوا فيها ونظموا فيها القصيد: شوقا قبل أن يروها, وحزنا ولوعة حين فارقوها, فكم من شاعر حن إليها أو بكى عليها.

وسمع بخصالها السراة والوجهاء فرغبوا فيها وتنافسوا في خطبتها واغلوا لها المهر , ولكن أباها – السلطان العثماني – رد كل الخاطبين , حتى فتنت محمد علي باشا والي مصر, وخطبها.... فتمنعت عليه ,... ثم رضيت بعد أن أغلى لها المهر الذي اشترطت أن يكون لحجاج بيت الله.

ومات عنها محمد علي فعادت إلى بيت أبيها وهي أكثر جمالا.

وكانت تزداد جمالا وبهاء كلما مرت السنين, فعاد "أحفاد!" زوجها الميت (محمد علي ) لخطبتها, فتمنعت وفي النهاية رضيت بالخديوي إسماعيل الذي تعهد لأبيها بإكرامها وبصرف مبلغ سنوي لوالي الحجاز عوضا عنها.

وزادها الزواج جمالا..ولكن...... وقع زوجها ضحية المرابين اليهود الذين خدعوه عامدين, فأعلن إفلاسه, ولكنها لم تهتم كثيرا, فقد كانت قادرة على الاستمرار في استقبال ضيوفها – ضيوف الرحمن- وخدمتهم !. و لكن المرابين الذين استولوا عليها من ضمن ممتلكات زوجها كانوا يريدون تهيئتها لضيوف من نوع آخر... ضيوف جاءت أول دفعت منهم بحجة تعليم أبناء سواكن , ففرحت بهم ولكنها سرعان ما أوجست خيفة منهم عندما رأتهم يرفعون الصلبان ويقرعون الأجراس فخافت على مسامع بنيها من ضجيجهم وانصرفت عنهم , فتركوا مبنى مهجورا يسمى الكنيسة وذهبوا يهيئون ضرة لها بعد أن انقطع أملهم فيها.

.........وفجأة ........ انقطع عنها الضيوف ..., ولا قدرة لها على العيش من غير ضيوف فهم حبها وهوايتها وأنسها وبهجتها والسبب الذي يجعلها تزداد جمالا .... وبانقطاع الضيوف انتهى جمالها وظهرت عليها آثار السنين , وليت الأمر اقتصر على الضيوف , فقد فر الأبناء أيضا ! نعم حتى أبنائها الذين ما كانوا يرضون بها بدلا فروا منها ولحقوا بالضيوف , ولم يبق فيها سوى القليل من الأوفياء.

** *** * *** **

وحارت .... ما الأمر ؟ لماذا لم يعد الضيوف يأتون ؟! لماذا فر الأبناء ؟! وحين عرفت السبب أخذ منها الحزن كل مأخذ! . أما الضيوف..... فقد أصبحوا يفضلون السفر بالطائرات , وأما الأبناء ....فقد ذهب أغلبهم إلى بورتسودان وبعضهم إلى جدة والبعض إلى أم درمان.

حزنت الفتاة , وبين عشية وضحاها صارت عجوزا.... بيوتها التي ضرب المثل بجمالها صارت تتداعى بيتا بيتا , أنواع وأجناس البشر الذين جمعتهم بين ضلوعها صارت تفقدهم جنسا جنسا , سالت دموعها حتى جفت " الفولة " ويبست "شاتا" وتحجرت آبار "قب " . .. وبعد جفاف الدموع بكت دما و حجارة! , صارت حجارة بيوتها البيضاء الجميلة تتساقط كقطرات المطر وتختفي في قمائن الجير...صارت تحتضر...

وتناهت إليها أنباء بأنهم يفكرون في علاجها , فقالت في نفسها ( هيهات .. هيهات .. و كأنهم لا يعرفون مرضي؟ بظنونه شيخوخة؟ وهل يشيخ المرء بين ليلة وضحاها؟ ردوا أبنائي وضيوفي ..وإلا ..فدعوني أموت ), ولكنهم احضروا الطبيب..... فحصها الطبيب وقال إنها حبلى ؟ واندهشوا.. كيف وهي عجوز فانية ؟! قال لهم الطبيب ( لا تنسوا أنها كانت شابة قبل 24 ساعة). وفرحت هي بالحمل الذي ما كانت قد شعرت به حتى تلك اللحظة , وتحسسته ، قالت في نفسها (أتراني سأنجب ثانية مثيلا ل عثمان دقنة , ابني الفارس البطل؟ ) . و لكنها حدست أنها ستضع بنتا لا ابنا، فاستجمعت قواها كي لا تموت قبل أن تضع الحمل وترى وريثتها.

وجاء مخاضها في ظروف صعبة من الجفاف والتصحر والحصار الاقتصادي و و و... ولكنها قاومت حتى لا تموت دون وارث , وآلت في نفسها ألا تموت قبل أن ترى عيون بنتها ...

ولكن ...............يا للهول! سواكن الحجازية تلد بنتا لا تشبهها في شيء.. بنتا تفضل عابري السبيل على ضيوف الرحمن ، بنتا ليس لديها "بيت مسكين" ولا " شاتا " ولا قطرة ماء في الفولة ، بنتا لا ... باختصار.... بنتا لا تنتمي لأمها بأي شكل...... هنالك قالت الفتاة العجوز " الآن طاب الموت"..وأسلمت الروح
.


http://swakin.netfirms.com/yohka.htm
نقلا عن موقع مسكينة سواكن

أضف رد جديد