نص الندوة التي أدت الى سجن صاحبها 60 يوما !!

صورة العضو الشخصية
خضر عطا المنان
.
.
مشاركات: 221
اشترك في: السبت ديسمبر 18, 2004 12:37 pm


مكان: الدنمارك - كوبنهاغن
اتصال:

نص الندوة التي أدت الى سجن صاحبها 60 يوما !!

مشاركة غير مقروءة بواسطة خضر عطا المنان » الثلاثاء ديسمبر 28, 2004 2:09 am

السودان وآفاق المستقبل :

الأخوة الحضور الكرام..

لكم التحية والسلام، ولكم الشكر كثيراً على تفضلكم بالحضور لنتحدث عن مشكلات الوطن، وعن تطلعاتنا جميعاً في تحقيق السلام والاستقرار، والوصول إلى الدولة المدنية الديمقراطية الموحدة التي تسع وتعبر عن التباين والتمايز العرقي والثقافي والديني الذي يتميز به السودان.

أود أن أتقدم بشكر خاص إلى أعضاء لجنة التجمع الوطني الديمقراطي، ولجنة الجالية السودانية ـ النادي السوداني، على ترتيبهم هذا اللقاء، ودعوتهم الكريمة للتحدث عن المشهد السياسي وآفاق المستقبل في الوطن.. عن تحديات السلام القادم، والفترة الانتقالية والتحول الديمقراطي المرتقب، متمنياً لهم كل التوفيق في جهدهم الوطني الكبير.


سأتحدث لكم في الفترة الزمنية المخصصة في محاور رئيسية هي التالية:

1- سقوط المشروع الحضاري.

2- دارفور.. مشكلة حقيقية.. أو آلية ضغط وتفكيك للنظام الحاكم؟

3- معضلة التجمع الوطني الديمقراطي.. اقتلاع من الجذور، أم قبول التفاوض دون آليات ضغط.

4- ضرورات السلام بين الحركة الشعبية والنظام.

5- آفاق المستقبل.



سقوط المشروع الحضاري ... سقوط السودان القديم..!!



نضع ونحلل المشروع الحضاري للجبهة الإسلامية في سياق رؤيتنا لهذه المرحلة بكونها الأخيرة في دورة حياة السودان القديم وبروز ملامح السودان الجديد بعد مخاض طويل امتد منذ بدايات الحركة الوطنية الحديثة وثورة اللواء الأبيض في 1924، مروراً بالنضال من أجل الاستقلال والانتفاضات الشعبية والمقاومة المسلحة ضد الأنظمة الديكتاتورية. السودان القديم واقع اجتماعي واقتصادي وثقافي به الكثير من التشوهات التي عمقتها النخب الحاكمة وفقاً لمصالحها، وتجسدت كل هذه التشوهات في دوامة عدم الإستقرار السياسي، وتهميش الأغلبية العظمى من أبناء الشعب السوداني في كل بقاع الوطن.



خرج المشروع الحضاري للجبهة الإسلامية من رحم هذا الواقع معبراً عن قمة أزمة السودان القديم وتجسيدا لحدوده القصوى. ارتكز المشروع الحضاري للجبهة الإسلامية على مجموعة من الشعارات الدينية والغيبية، وخلق دولة خارج إطار التاريخ وصيرورته، ولم يكن هناك برنامج علمي اقتصادي واجتماعي لبناء دولة عصرية حديثة. وكان من الطبيعي أن تصطدم هذه الأيديولوجيا بالواقع الذي لم يشهد أي إنجاز في مصلحة الشعب، وأخذوا يتهربون من هذا الواقع المرير بالمزيد من الدجل والشعوذة، وتسويق الآمال الوهمية، والقمع والإذلال للمواطن السوداني، وتحطيم كرامته وكبريائه، لضمان بقائهم في السلطة. كما أن إحدى وسائلهم للهروب من الفشل كان الإدعاء بوجود مؤامرة خارجية ضد الدولة الإسلامية، رغم أن النظام عزل نفسه بنفسه نتيجة لسياساته الخارجية التي قامت على وهم آخر، هو قدرته على قيادة الحركة الإسلامية في كل العالم، وتكوين «أممية إسلامية». نلاحظ هنا أن النظام أخذ يركز على تسويق سلعة المشروع الحضاري خارجياً، ويزيد من وتيرة ذلك كلما ازدادت عزلته الشعبية داخلياً، كنوع من التعويض النفسي لفشله في استقطاب جماهير الشعب السوداني.



الهدف المعلن من «المشروع الحضاري» كان تطبيق الشريعة الإسلامية على نموذج الدولة الإسلامية القديمة، بما يمثله من نزع هذه التجربة من التاريخ، وتطبيقها في الحاضر. ويلاحظ المفكر السوداني د. حيدر إبراهيم أنه عقب تثبيت السلطة أمنياً، بدأ ظهور المنظرين والمبررين للانقلاب، ولكنهم لم يقدموا فكراً، واكتفوا بالدعاية Propaganda بنفس الأساليب التي أتبعتها الأنظمة الفاشية والشمولية – مثل النازية– في تكوين وعى زائف لدى مؤيديهم. كما تلاحظ محاولة بعض المنظرين الإسلاميين في كتاباتهم للعالم الخارجي التمسك بالمنهجية والعقلانية في تقديم المشروع، باعتباره تجديداً في الفكر الإسلامي، ولكنهم فشلوا في تطبيق العلمية والمنهجية في تفكيرهم، وأولها تحديد المفاهيم والمصطلحات، وكان ابتعاد هؤلاء عن النظام (أمثال عبدالوهاب الأفندي، الطيب زين العابدين، التيجاني عبدالقادر) إحدى علامات نهاية المشروع. كان هؤلاء المنظرين يرون إمكانية تحويل الانقلاب إلى ثورة تحقق الخروج من التبعية، وتفكيك العلاقات الطائفية، وإقامة نهضة شاملة (سياسية واقتصادية)، والاعتماد على الذات والجهاد الشعبي بدلاً عن مفهوم العسكرية المهنية القائمة على جيش قومي محترف يعكس التعدد في المجتمع السوداني، وهو الجيش الذي اعتبره الإسلاميين قائم على أسس علمانية غربية حسب رؤيتهم. وبعض هذه الشعارات يمكن أن ترفعها أي حركة ثورية علمانية، ولكن يبقى المحك هو أن الجبهة الإسلامية بمنهج تفكيرها الديني الغيبي، وتكوينها التنظيمي القائمة على قدسية الزعيم (الشيخ – الحاكم) لا يمكنها إنجاز برنامج ثورة وطنية لأن دولتهم لا تقوم على حق المواطنة.



ويزداد الوضع تعقيداً في الواقع المتعدد دينياً وعرقياً وثقافياً في السودان، كما تصطدم الدولة الدينية (القائمة على نموذج المشروع الحضاري للجبهة الإسلامية) حتى بالثقافة الإسلامية السودانية الشعبية التي تمتلك خصوصيتها المحلية المتسامحة نتيجة للتنوع الثقافي الذي يتميز به السودان، ولا نحتاج للإشارة هنا بأن إحدى إفرازات المشروع الحضاري هو تهديد وحدة الوطن التي أصبحت في مهب الريح.



لا يؤمن المشروع الحضاري للجبهة الإسلامية بالديمقراطية والتعددية، لأنها حسب فكرهم مفاهيم غربية، وتؤدى إلى الفتنة، ويرفضونها وفقاً لتفسيرهم لـ «الحاكمية لله»، والحريات التي تتعارض مع رؤيتهم للتوحيد تتم مصادرتها. والتوحيد المقصود هنا هو خلق أسرة مسلمة، ومجتمع مسلم، ودولة إسلامية، حسب رؤية الجبهة الإسلامية وتفسيرها للنصوص، وليس حسب ما يراه المواطن السوداني المسلم. ويعطون لأنفسهم حقاً مقدساً في كل ذلك باستخدام كل الوسائل، بما فيها القتل والتعذيب دون شعور بالذنب، ما دام ذلك واجباً دينياً الهدف منه إعادة صياغة الإنسان السوداني بالكامل..!! إحدى أزمات المشروع الحضاري التي قادت إلى انهياره في النهاية هو عدم وجود نموذج «إرشادي» مستمد من التاريخ ومضمون الدولة، حسب تعبير د. حيدر إبراهيم. ورغم تمجيدهم لنموذج «مجتمع المدينة» عجز فكر الجبهة الإسلامية عن استلهام روح ذلك النموذج. ورغم أن الجبهة الإسلامية كانت من أكثر المستفيدين من الفترة الديمقراطية، إلا أنهم رفعوا شعار «فشل الديمقراطية» لتبرير الانقلاب، وهو مبرِّرٌ تكرر في كل الانقلابات العسكرية في السودان، وكانت حملاتهم السياسية وتهريجهم الإعلامي خلال الفترة الديمقراطية المقصود منه خلق بلبلة وفوضى تبرر لانقلابها.



انتهى المشروع الحضاري إلى صراع دنيوي سافر على السلطة بين أطراف النظام وكتله المتعددة، وصراع على ثروات الوطن، وفساد مالي وأخلاقي أزكم الأنوف، ووصل المشروع في انحداره لقاع الهاوية إلى درجة إصدار الفتاوى والتبريرات الدينية لمظاهر الفساد المالي والأخلاقي التي لا حصر لها ويتداولها المواطن في الشارع. فشل «المشروع الحضاري» في إحداث أي تطور اقتصادي في مجال الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية.. فشل في تطوير التعليم.. وكانت النتيجة انهيار كل المؤسسات الاقتصادية والتعليمية والصحية. وأصبح أقل من 10% من سكان السودان يسيطرون على 90% من ثرواته وموارده..!! هذه هي نتيجة المشروع الحضاري بالأرقام.



يمكننا أن نخلص إلى أن أزمة النظام استمرت منذ استيلائه على السلطة في يونيو 89، لتصل إلى ذروتها في ديسمبر 1999 بحدوث انشقاق في صفوف الجبهة الإسلامية الحاكمة. في اعتقادنا إن الوصول إلى ذروة الأزمة لم يأتي إلا نتيجة للنضال التراكمي للشعب السوداني في رفض المشروع الحضاري، ويجب أن نؤكد هنا على الحقائق التالية والتي قادت إلى أزمة النظام:

· أولا: الرفض المستمر من الشعب السوداني لكل سياسات النظام.. المقاومة المستمرة ورفض إعطاء الشرعية لهياكل حكم النظام، وكل محاولات غرس الديمقراطية الزائفة.

· ثانيا: المقاومة الإستنزافية المستمرة من التجمع الوطني عبر فصائله المقاتلة، واتساع رقعة الحرب وما يشكله ذلك من تدمير منتظم لموارد النظام وصعوبة السيطرة على الانهيار الاقتصادي.

· ثالثا: استمرار المعارضة السودانية في فضح ممارسات وانتهاكات النظام لحقوق الإنسان السوداني، وما سبَّبه ذلك من إحكام طوق العزلة الإقليمية والدولية.



إن سقوط مشروع الدولة الدينية الشمولية، جاء نتيجة لمقاومة باسلة قادها الشعب السوداني طوال ما يزيد على خمسة عشر عاماً، وفي طليعة تلك المقاومة الباسلة أحزابه ونقاباته ومنظمات مجتمعه المدني. مقاومة شاملة، شارك فيها الجميع، وسقط خلالها آلاف الشهداء البواسل في المدن وميادين القتال.. وفي كل الجبهات.. من أجل سودان جديد يسوده السلام والاستقرار، وتتحقق فيه العدالة والمساواة وحقوق الإنسان.



إن تجربة حكم نظام الجبهة الإسلامية في السودان، منذ قيامها وحتى اللحظة، كانت حافلة بالتجارب المريرة على الصعيد السياسي وآثاره المنعكسة اجتماعياً واقتصادياً، وان كانت هنالك إيجابية خلال هذه التجربة، إنها كشفت بوضوح لا لبس فيه عن سقوط الرهان على مشروع الجبهة الإسلامية، وفراغ محتواه، وعجزه المهين أمام تحدي بناء الدولة الوطنية في السودان، وذلك بطبيعة الحال لعوامل خاصة بالمشروع في ذاته وتناقضه الواضح مع معطى التعدد والتباين في السودان.



دار فور.. حقائق الأزمة والحلول



يذهب معظم المحللون السياسيون إلى حصر الصراع في إقليم دار فور في عناصره التقليدية من إشكاليات ناتجة بين الرعاة المتحركون، والزراع المستقرون، وحلها عبر التقاليد المحلية والأهلية، أو إلى آثار الجفاف والتصحر بفعل الطبيعة، الذي ضرب إقليم دارفور في فترات مختلفة، أو إلى التنافس القبلي وتعدده وانتمائه العربي – والأفريقي. وإن كانت هذه العناصر موجودة ولا يؤرخ لها منذ استيلاء النظام الحالي على السلطة في 30 يونيو 1998م، بل منذ عهود سابقة، إلا أننا لا نتجاهل دور سياسات النظام في تعميق الأزمة الحالية أو تحويلها إلى مأساة إنسانية.



حصر الصراع في هذه العناصر أدى إلى منهج تبريري للأخطاء والالتفاف حول حقائق جذور الأزمة وتغييبها والهروب منها، وبالتالي تشخيص غير عميق وسليم، مما قاد إلى طرح حلول لظاهر الأسباب، انتهت بالمعالجات القاصرة والخاطئة، ما أدى إلى تفاقمها وتعقيدها على أيدي القوى السياسية والعسكرية التي شكلت الأنظمة التي تعاقبت على الحكم طيلة العقود الماضية.



إن تحديد منهج التحليل يبدو مهماً، خاصة تلك المبادئ المرتبطة بالعلاقة الجدلية بين الأسباب الحقيقية وآثارها ونتائجها الظاهرية.



يبقى القول أنه من الخطأ تناول أزمة دارفور بمعزل عن الأزمة الوطنية السودانية الشاملة، بل وإن ما يحدث اليوم هو ثورة دارفورية اجتماعية، سياسية، اقتصادية وإدارية عميقة الأبعاد والجذور.



ورغم ما يبدو في انطلاقها من خصوصية، وحيز جغرافي معين، إلا أنها تعبر عن نفس المظالم والحقوق المغتصبة من أرياف السودان المختلفة.. شمالاً، جنوباً، شرقاً وغرباً، ورفضاً للمركزية والعقلية الأحادية، تطلعاً إلى حل شامل وعادل ودائم، مما يعنى صياغة وطنية جديدة، والذي نطلق عليه «السودان الجديد».



النظام السوداني الحالي (1989 – 2004) يتحمل مسئولية تعميق الصراع وتدويله حتى وصل قمته في قرار مجلس الأمن التهديدي، والقابل للتطوير بتاريخ 18 سبتمبر 2004م، والقاضي بفرض عقوبات تركز على البترول ومحاكمة المسئولين الحكوميين. ويمكن إبراز أهم الأسباب التي قادت النظام إلى تعميق الأزمة في النظرية التي تبناها النظام بإضعاف شمال السودان في أحزابه ونقاباته ومؤسساته العامة ومؤسسات المجتمع المدني ليكون الممثل والمعبر الوحيد للشمال الإسلامي – والعرب المستعربة، واتصاف خطابه الرسمي السلطوي بخطاب الإسلام السياسي، مناقضاً لواقع تنوع السودان الإثني والثقافي، ولخطابه الشعبي (دارفور نموذجاً).

· العقلية الأمنية والعسكرية التي عالج بها نظام الجبهة الإسلامية أزمة دارفور – وحاول أن يكرر تجربته في جبل مره حين هزم حركة الشهيد بولاد ابن المنطقة وأحد الكوادر الإسلامية التي شقت عصا الطاعة (عام 1992م) وقد استخدم النظام «الفرسان» من القبائل العربية والتي طاردت قوات الشهيد بولاد إلى أن تمت هزيمته، وقد كان دور القوات المسلحة ثانوياً في تلك العمليات. ويعود نجاح استخدام الفرسان (الاسم الذي تطور فيما بعد إلى «الجنجويد») إلى عدم دخول أزمة دارفور دائرة الضوء العالمي، لأن النظام نفسه لم تتكشف حقيقته وخطورته وقتها خارجياً.

· ضعف عناصر القبضة الدكتاتورية (2002 – 2004م) والتي تتمثل مظاهرها في القدرة على التستر وإخفاء الأفعال والممارسات – وعنف القهر– وتماسك كيان التنظيم الداخلي والسيطرة على المال وحراكه، وهو العنصر الوحيد الذي ما زال بيد النظام.

· التطور التقني في عالم الاتصالات واستخدام الأقمار الصناعية للتصوير، ساهم في سرعة كشف «القُبح» المستور، وقد أصبح منظر القيادات الميدانية وهى تحمل أجهزة الثريا وتخاطب أي منظمة إنسانية في أي مكان في العالم وتكشف الحدث قبل وأثناء وبعد حدوثه تصوره وتصفه. أصبح شيئاً مألوفاً أن تصل المعلومة إلى لندن وواشنطون وبون قبل أن تصل إلى الخرطوم. وقد أدخل هذا التطور التقني النظام في القفص متهماً إياه بإنكار المعلومات وطمس الحقائق وإخفاء المأساة الإنسانية، مما أصبح مؤشراً لعدم رغبته في علاج الأزمة، ومصادمته للنظام العالمي وقطبه الأحادي ومؤسساته العالمية أو الإقليمية (الأمم المتحدة – الاتحاد الأفريقي..الخ) ومنظماته المؤثرة والمنتشرة، وبدلاً من محاولة اللعب وفق قوانين النظام العالمي الجديدة، والتي ليست بالضرورة أن تكون عادلة أو ظالمة، انتهج النظام أُسلوب التهريج والمظاهرات، وخطاب عنتري مصادم، مثل «قرار مجلس الأمن، يعتبر قرار حرب وقواتنا جاهزة له».. أو «إننا سنفتح أبواب جهنم السبعة لهزيمة القوات الدولية».. وإن تلاحظ أنه رسمياً وافق على القرارات في محاولة لدبلوماسية متزنة.

· لم يستوعب نظام الخرطوم الآثار والتوقعات التي أحدثتها عمليات تنظيم القاعدة في 11 سبتمبر 2002م في الولايات المتحدة الأمريكية، واكتفى بتعاونه الذي أظهره في بادئ الأمر، والذي نجح في استبعاده من استهداف متزامن مع أفغانستان، والعراق – واتجاهه إلى تفاوض سلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في نيفاشا، إلا أنه ابتعد عن الإرادة والمصداقية والشفافية في الأزمة الدارفورية، لأنها في مخيلته جزء من الشمال المسلم الذي يعتقد أنه يمتلكه.

· استخدام الحكومات المركزية للقبائل ضد الحركات المسلحة ليس جديداً، خاصة ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان، فقد استخدمت القبائل العربية والجنوبية، وكانت القبائل العربية يطلق عليها اسم «المراحيل» وتتجه من بابانوسة وتتوغل في إقليم بحر الغزال وتساعد في حراسة القطارات. وتطلق على المجموعات الجنوبية المناوئة اسم «القوات الصديقة» - في إقليم دارفور كما سبق أن ذكرنا تسمى (الفرسان) - ويبقى السؤال: ما هو الجديد الذي جعل استخدام هذه المجموعات في عهد الإنقاذ يأخذ كل هذا الزخم والبعد والتدخل الأجنبي؟؟ ونقول إن أهم الأسباب غياب دور المؤسسة العسكرية- والشرطة بسبب إضعافها وإنهاكها بواسطة النظام نفسه لحماية نفسه، فتحول دورها إلى دور ثانوي في أزمة دارفور، فيما أصبح الدور الرئيسي إلى كتائب «الجنجويد»، أو (الفرسان)، وتحولت مهام القوات المسلحة إلى تدريب قوات الجنجويد في معسكرات شمالي الخرطوم، ثم انتقلت إلى إقليم دارفور– فيما يعنى عملياً استغناء النظام عن القوات المسلحة المنظمة والاعتماد على مليشيات غير منضبطة. كما يلاحظ كميات السلاح ونوعيته التي سلحت بها المليشيات، والتي لم تكن تمتلكها عندما استخدمتها الحكومات السابقة. ويمكن إضافة العنصر الديني والثقافة الجهادية إلى العنصر الإثني. لكل ذلك، وجد النظام نفسه أمام خيارات صعبة، تحتاج إلى الشجاعة ولجم شهوانية السلطة، فإذا وقف ضد حلفائه الجنجويد فسيفقد القبائل العربية أسوة بالقبائل الأفريقية، ويخرج من دارفور حافي اليدين والقدمين.. ولكنه قرار على أي حال يغلب مصلحة الوطن. ويجدر القول أيضاً أن القبائل العربية هي الأخرى بدأت تفقد ثقتها في قدرة النظام على تأمينهم، بل وعدم رغبة في استمرار حلفه معهم. تحت مثل هذه الضغوط، والغالب أنها ستلجأ إلى حماية نفسها باحتفاظها بأسلحتها الخاصة حتى لو سلمت الأسلحة التي قدمها النظام. ويظل السؤال قائماً: كيف يتوفر الشعور بالثقة والأمان والطمأنينة للقبائل العربية والأفريقية على السواء، والتي تقع بين مطرقة النظام الشمولي وسندان قرارات مجلس الأمن ومصالحهما المتضاربة؟؟

· لم يدرك النظام أن الذي يقود الانتفاضة الدارفورية هو الجيل الثالث في السودان، والذي وإن كان يرى في النظام عدوه الأساسي، إلا أنه يعبر عن ثورة ضد السودان القديم بأكمله – وإدراك هذه الحقيقة كان يتطلب منذ البدء عدم إتباع منهج وعقلية وسلوك السودان القديم لمواجهة الأزمة، والتي أثبتت التجارب فشلها، وفى تكرارها إنتاج لعملية الفشل وتعميقها نموذجاً (لجنة تقصى الحقائق، المؤتمر القومي)...الخ.



الحـلـــــــول:

ما يحدث في الجنوب، الشرق، الغرب، الشمال، والوسط.. وبدرجات متفاوتة.. هو في حقيقته بداية لصياغة وطنية جديدة، فالمشهد العام يدفع بالكثيرين إلى التشاؤم والتخوف من التشرذم، ولكننا نذهب مع المتفائلين أن السودان في حالة تخلق وتشكل يتولد منها دولة السودان المدنية الديمقراطية الموحدة، وهى مراحل وتجارب عاشتها شعوب بما فيها دول عظمى مثل إنجلترا (حرب البروتستانت والكاثوليك) وأمريكا (الحرب الأهلية). وهى مشهد يذكرنا في التاريخ العربي بنهايات الدولة الأموية والعباسية. وربما كان وصول الجبهة الإسلامية القومية إلى السلطة – وأدق وصف لنظامها (الإرهابي الشمولي) ساهم في مشهد التشكل والتخلق وإعادة صياغة الوطن، وإن كان عبر تضحيات جسام خلال خمسة عشر عاماً. ومن أهم حقائق التجربة أن أكدت نوعية وعمق تربة التنوع والتعدد الإثني - الديني- الثقافي- والنوعي السوداني، وإنها تربة حجرية للفكر الأحادي والأيديولوجي والإسلام السياسي والعنف والقهر ومدى خصوبتها لدولة مؤسسات وعدالة، وتوازن اجتماعي، ونظام ديمقراطي متكامل بجميع حقوقه وواجباته ومؤسساته الداعمة له والمؤمنة على استدامته.



إن المدخل السليم لحل أزمة دارفور هو الاعتراف بجذورها ومخاطبتها وأن ما يحدث فيها هو إفراز حقيقي للمشكل السوداني (1956 - 2004م)، وإن الحل يكمن أولاً في الاتجاه نحو حل شامل.



مرتكزات الحل الشامل



لابد أن نؤكد أن أي حل سياسي يجب أن يقود إلى تحقيق إستراتيجية وأهداف التجمع، أن يقودنا إلى دولة السودان الجديد.. دولة فيدرالية تُبنَى على حق المواطنة، تفرِّق بين الدين والسياسة، وتُراعى تبايننا الديني والثقافي والعرقي.. دولة العدالة والتوازن في قسمة السلطة والثروة.. دولة الديمقراطية الليبرالية.. دولة القانون واحترام حقوق الإنسان.. إن كل ذلك سيأتي عبر التزامنا بمواثيق مؤتمر القضايا المصيرية 1995.. دون ذلك، لن نعيد إنتاج أزمة الوطن، بل سنقود في اتجاه انشطار وحدته.



المرتكزات:

1- المساواة السياسية والاجتماعية قانوناً واعتبار المواثيق والعهود الدولية المعنية بحقوق الإنسان جزءاً لا يتجزأ من دستور السودان الانتقالي والدائم، وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو العرق أو الثقافة.

2- إعادة بناء الدولة السودانية على أساس قومي لامركزي، يلتزم الاقتسام العادل للسلطة والثروة ويراعى التعدد الإثني والديني والثقافي والنوعي في السودان.

3- توزيع السلطات بين المركز والأقاليم كما جاءت في مقررات مؤتمر أسمرا 1995م والإقرار بأن حق تقرير المصير يوفر خياراً منطقياً لإنهاء الحرب الأهلية وتأسيس سودان جديد عماده الإرادة الحرة.

4- فصل الدين عن الدولة وعدم قيام أحزاب سياسية على أسس عرقية أو عنصرية أو دينية ويضمن في دستور الدولة وقوانينها مبدأ استقلال القضاء وحكم سيادة القانون.

5- وقف الصراع حول الهوية بالاتفاق على أن هوية السودان الجديد، هي الهوية السودانية.

6- الالتزام بعقد المؤتمر القومي الدستوري في نهاية المرحلة الانتقالية بمشاركة كافة الأطراف لمعالجة كافة القضايا الواردة في إعلان المبادئ والمرتبطة بإحلال السلام الشامل والدائم وإقامة نظام ديمقراطي تعددي.

7- محاسبة ومحاكمة كل من أقترف جرماً في حق الشعب والوطن وخاصة جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان والفساد والذين خططوا ونفذوا انقلاب الجبهة الإسلامية الذي قوض النظام الديمقراطي.



تدابير أولية لحل أزمة دار فور

وإن كنا نختلف مع النظام في تشخيص الأزمة وبالتالي علاجها إلا أننا نقف ضد تدخل قوات أجنبية في السودان موقفاً مبدئياً واضحاً، مؤكدين ثقتنا في شعبنا وإرادته وإبداعه وابتكاراته وقدرته على علاج أزماته. رغم أن النظام يتحدث عن رفضه دخول قوات أجنبية إلا أن الشك في مصداقيته يظل قائماً حيث يوافق حين يرى في الخطوة مصلحةً له، كما هو بالفعل في جبال النوبة – وغرب الاستوائية (قوات أوغندية) – حتى في دار فور نفسها (قوات أفريقية) – كما وافق على وجود قوات دولية في اتفاقات نيفاشا.



وإذ نقول ذلك، نفرق بين الموقف الدولي المساند لشعبنا، وتوفير الضمانات للاتفاقات، وبين تواجد قوات أجنبية.



فالوضع المأسوي المتفجر في إقليم دار فور يفترض تنفيذ تدابير عاجلة وفورية منها:-

1- توفير الأمن لكل المواطنين في مناطق النزاع.

2- تصفية مليشيات الجنجويد وتقديم قادتها للمحاكمة، وكذلك التحقيق في أي اتهامات لجرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وتحديد المسئولية وتقديم مرتكبيها للمحاكم.

3- مراقبة كل وسائل النقل البرى والمنافذ الحدودية لمنع دخول السلاح.

4- العمل على عودة النازحين داخل وخارج البلاد إلى ديارهم الأصلية وحمايتهم وتعويضهم عما لحق بهم من أضرار، وتوفير وتوصيل الإغاثة من غذاء ودواء...الخ،إليهم عبر ممرات آمنة وبمساعدة المجتمع الدولي.



ويأتي، بعد تنفيذ هذه التدابير العاجلة، دور التصدي لجذور المشكلة ومسبباتها وتقديم الحلول الناجعة لها. وهذا لا يتأتى إلا عبر مؤتمر يسع كل القوى السياسية في البلاد «وليس مؤتمراً حكومياً» بما في ذلك القوى المعارضة التي تحمل السلاح في دارفور، ويمثل فيه أهل دارفور بمختلف قناعاتهم، مستصحباً كل مبادراتهم لحل النزاع في الإقليم.





معضلة التجمع الوطني..

اقتلاع من الجذور، أم قبول التفاوض بدون آليات ضغط..!؟



التجمع الوطني الديمقراطي صيغة راقية ارتضاها الشعب السوداني لقيادة نضاله من أجل استعادة الديمقراطية وتحقيق السلام. ورغم السلبيات التي شابت أداء التجمع الوطني طوال مسيرته الطويلة إلا أن إصرار فصائله المختلفة على وحدته وتماسكه مكنته من الاستمرار كبرنامج حد أدنى يجمع قوى المعارضة. مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية في يونيو 1995 شكل نقطة انطلاق سياسية قوية للتجمع دعمها انطلاق العمل المسلح في شرق السودان الأمر الذي ضاعف من الضغط على النظام واستنزاف قدراته، كما ساهم التجمع في فضح وتعرية النظام على المستوى الخارجي وزيادة طوق العزلة الدولية عليه.



من ضمن الآليات التي أقرها التجمع في نضاله السياسي والعسكري صيغة الحل السياسي الشامل وصدرت عدة قرارات في هذا الإطار من مؤتمرات التجمع واجتماعات هيئة القيادة، كما تعاطى التجمع بشكل إيجابي مع المبادرات التي طرحت لحل الأزمة السودانية عبر التفاوض. المعضلة الأساسية كانت في التوفيق بين المفاوضات التي تجريها الحركة الشعبية تحت مظلة الإيقاد - والتي قادت أخيراً لاتفاق نيفاشا – ومفاوضات التجمع مع النظام الذي حرص على تعدد المنابر لإيجاد مساحة أكبر للمناورة أحياناً ولتفتيت وحدة التجمع الوطني في أحيان أخرى. في هذا الإطار كان التشديد على أن الحلول الثنائية لا تقود للحل السياسي الشامل وتهدد وحدة الوطن، وهذا للأسف الشديد هو المشهد الحالك الذي أتت فيه المبادرات الأخيرة للتفاوض في جدة والقاهرة بين النظام والتجمع الوطني الديمقراطي.



أوضح التجمع الوطني موقفه وملاحظاته حول بروتوكولات نيفاشا باعتبار أنها: «تتجاوز مسألة الحرب والسلام لتتناول كافة جوانب الأزمة السودانية المتمثلة في قضايا: السلام، الهوية، الوحدة، الديمقراطية، نظام الحكم، التنمية وتقسيم الثروة، الجيش والأمن، العلاقات الخارجية.. الخ. كما أنها تسعى لإحداث تغييرات أساسية في بنية النظام السياسي القائم بما في ذلك تقرير مصير البلاد (دولة موحدة أم دولتان) خلال الفترة الانتقالية. ومن الواضح أن هذه القضايا لا يمكن أن يقرر فيها طرفان فقط (الحكومة والحركة) بعيدا عن القوى السياسية والاجتماعية الشمالية والجنوبية الأخرى، علما بأن الإجماع الوطني حول هذه القضايا المصيرية هو الضمان الوحيد لاستمرار السلام في الجنوب وانتشاره ليطفئ نيران الحرب المشتعلة في دارفور، والمحتمل اندلاعها في بؤر التوتر الأخرى في البلاد». (أنظر ملاحظات التجمع).



ما يدور في طاولة المفاوضات الحالية بين التجمع والنظام بالقاهرة (28 سبتمبر 2004م) يعبر بالضرورة عن توازن القوى بين أطراف التفاوض، وعدم شمولية اتفاق نيفاشا واحتياج الطرفين للاتفاق، فبينما يحتاجه النظام لتخفيف الضغط «الأبوجي / النيفاشي / الأمريكي»، ولدور مصر الإقليمي.. بالمقابل يحتاجه التجمع للعودة إلى طاولة التفاوض التي حُرِمَ منها، رغم أن النظام في مقصده يستهدف الحزب الاتحادي الديمقراطي وكان يفضل أن يمارس هوايته في التفاوض الثنائي، وهنا تواجه التجمع التحديات الآتية:

1- وصول الحليف القوى للتجمع ألا وهو الحركة الشعبية والنظام إلى اتفاق سلام ينتظر اللمسات الأخيرة، ولن يكون أمام التجمع إلا هوامش ضيقة لحشر موقفه التفاوضي في أضابير اتفاقات نيفاشا، ولن يتعدى جهد الحركة الشعبية سوى مساعدة التجمع على ذلك.

2- فقد التجمع الوطني نتيجة لاتفاق نيفاشا ورقة الضغط العسكري التي كانت ستقوى إلى حد بعيد من موقفه التفاوضي.

3- ضعف النشاط التنظيمي الداخلي للتجمع وسط الجماهير ومؤسسات المجتمع المدني يفقده أيضاً ورقة ضغط أساسية كان من الممكن أن يفرض عبرها أجندته وشروطه على النظام.

4- في جولة التفاوض الإجرائية التي عقدت بالقاهرة بتاريخ 24-30 أغسطس 2004م، اعتمد الطرفان اتفاق نيفاشا، ليس كمرجع وإنما التزاماً به وبما توصل إليه. ولذلك لا توجد مساحة تفاوضية واسعة، بل مقيدة، وتتركز على نسبة 14% التي تركت للمعارضة، إضافة إلى المشاركة في اللجان القومية. وجديد الأجندة يمكن حصره في قومية القوات المسلحة والنظامية الأخرى والأجهزة الأمنية – ورفع المظالم ودفع الضرر لمعالجة أوضاع تنظيمات التجمع.

5- حركة تحرير دارفور، العضو الجديد في التجمع، تفاوض النظام عبر منبر ثنائي آخر، مثلها في ذلك مثل الحركة الشعبية.

6- لا تجد المفاوضات الحالية بين التجمع والنظام السند والرعاية والضمانات الدولية التي تجدها مفاوضات نيفاشا وأبوجا رغم الدور الإقليمي الكبير الذي تلعبه الدولة الراعية للمفاوضات (مصر) التي نتوقع منها إيجاد السند الدولي للمفاوضات.



اتفاق الجولة الإجرائية بين التجمع والنظام الذي تم التوقيع عليه في 30 أغسطس 2004 بالقاهرة لا يخرج عن المبادئ المعلنة للتجمع الوطني حول الحل السياسي الشامل، ومع الوضع في الاعتبار ما ذكرناه سابقاً نحن نعتقد أن أمام التجمع فرصة لإثارة قضايا جوهرية لم يعالجها اتفاق نيفاشا بصورة واضحة مثل قضية المحاسبة على المظالم التي ارتكبها النظام ضد الإنسانية وحقوق الإنسان، وجرائم المخالفات الجنائية، واغتيال الخصوم وتعذيبهم، وجرائم المخالفات المدنية كالفساد المالي والأخلاقي، وعودة المفصولين من الخدمة المدنية والعسكرية وتسوية أوضاع المعاشيين. كما أن من أهم القضايا تلك المتعلقة بالأمن القومي للسودان الذي يجب التعامل معه كقضية إستراتيجية غير خاضعة للمساومات والابتزاز السياسي، وتلازم هذه القضية مسألة قومية القوات المسلحة وأجهزة الأمن. أيضاً أمام التجمع معالجة حقوق المقاتلين والشهداء من الفصائل المختلفة. كما أن التجمع الوطني يحتاج إلى تبني عقد مؤتمرات قومية متخصصة، كالتعليم، والصحة، والخدمات وتنمية الريف وتخطيط المدن والبيئة والحفاظ عليها، ومؤتمر اقتصادي لمراجعة سياسات التحرر في هذا المجال. ويمكن القول أن التجمع يفتقد إلى آليات ضغط واضحة، إلا إذا استفاد من حلقات الأزمة التي تحاصر النظام، ولهفته الاستعجالية للوصول إلى اتفاق لتوحيد كيان الشمال الذي فتته.



الاتفاق الذي تم بين طرفي التفاوض، الحركة الشعبية لتحرير السودان ونظام الخرطوم، في جوهره شراكة في السلام وفي الحكم. نرى أن مصلحة الجماهير والتجمع، بل والوضع الطبيعي، أن يذهب التجمع إلى «سلطة المعارضة»، وليس «سلطة الحكومة». هذا الوضع يتيح لفصائل التجمع أن تعيد تنظيم نفسها وتمكنها من طرح برامجها ومخاطبة جماهيرها تمهيداً للانتخابات العامة، وهذا في حد ذاته عمل ضخم يحتاج إلى فكر وجهد ووقت، خاصة بعد مرور خمسة عشر عاماً من الحكم الشمولي، وواقع وجود جيل ثالث لم يعايش نظاماً ديمقراطياً وتولّد ونشأ خلال حكم شمولي. فإحدى التحديات التي يواجهها التجمع هي عدم منح فرصة للجبهة القومية الإسلامية من العودة إلى الحكم من خلال صناديق الاقتراع، وهي الكارثة الكبرى، خاصة وأن النظام ربما في وضع جاهزي أفضل تنظيمياً ومالياً رغم نقاط الضعف البينة والزجاجية فيه. إن الدعوة التي نطرحها بوجود التجمع في «سلطة المعارضة» لا تستند بالضرورة على ضعف النسبة التي حددها اتفاق نيفاشا لقوى المعارضة، والتي يصح القول فيها أنها نسبة لا تسمح بالمشاركة الفعالة في اتخاذ القرار، بقدر ما تعطي صورة «ديكورية» لحكومة قومية، إلا أنه يستند إلى مصلحة الجماهير وتطلعاتها، فمعركة التجمع مستمرة لهزيمة نظام الجبهة الإسلامية لأنه لم يسقط، وأن أهداف التجمع لم تتحقق، ولن يتم ذلك بالذهاب إلى سلطة الحكومة التنفيذية، أو حتى ملامسة السلطة من خلال واقع اتفاق نيفاشا.



ربما يعتقد البعض في تحليله أن مشاركة التجمع الوطني الديمقراطي في الحكومة الانتقالية بأي نسبة مهما قلت أو كثرت يساعد حليفه المشارك في السلطة (أي الحركة الشعبية لتحرير السودان)، إلا أننا نرى أن وجود التجمع في «سلطة المعارضة» يساهم أكثر لأنه يتيح للتجمع مرونة سياسية وتنسيق أفضل يمكنه من قيادة الجماهير ومؤسسات المجتمع المدني لإيجاد معالجات صحيحة للاختلالات والتناقضات الواضحة التي يتضمنها اتفاق السلام، وذلك من خلال تبني الدعوة إلى عقد مؤتمر تعرض فيه اتفاقيات السلام.



ضرورات السلام بين الحركة الشعبية والنظام

توازن الضعف – مشاكوس



لم يكن انقلاب الجبهة الإسلامية القومية (يونيو199 هو الأول في السودان، فقد سبقه الجنرال عبود في العام 1958م، والجنرال جعفر النميرى 1969م، وتوجد عناصر تشابه بين الثلاث انقلابات. كما توجد أيضاً عناصر الاختلاف، ونشير إليها لأهميتها في توازن الضعف الذي دخل به النظام والحركة الشعبية التفاوض.



عناصر التشابه:

· إن خلف الثلاث انقلابات أحزاب سياسية، وليست انقلابات قامت بها المؤسسة العسكرية.

· النجاح في استلام السلطة والمحافظة عليها لفترات زمنية متفاوتة.

· التعرض لمحاولات انقلابات فاشلة يعود أسباب فشلها إلى ضعف تنظيمها – أو أهدافها – أو انعدام سريتها وانكشاف أمرها، وتنفيذ الإعدام على بعض الضباط المشاركين فيها.

· ابتداع مؤسسات سياسية لدعم السلطة (المجلس المركزي – الاتحاد الاشتراكي – المؤتمر الوطني).



عناصر الاختلاف :

· نظام عبود ونميري ظلا أنظمة فوقية وحافظا على المؤسسات المدنية وبسقوطهما استمرت الدولة في حين أن نظام الجبهة الإسلامية دمر المؤسسات المدنية وتغلغل فيها والتحم والتصق بها في عظمها ولحمها مما ساعد على شهوانيته للسلطة وشراسته في عدم التفريط فيها.

· نظامي عبود ونميري حافظا على المؤسسة العسكرية والشرطة والقوات النظامية، وساهما في تقويتها، وحكما باسمها.. خلافاً لنظام الجبهة الإسلامية، الذي رأى فيها عدواً علمانياً أسسته القوى الاستعمارية الكافرة، وأنه لا يمثل جيشاً إسلامياً – فقام بإضعافها ومحاولة تفكيكها وإهدار كفاءتها وخبراتها، وسعى لبناء بديل لها تمثل في «قوات الدفاع الشعبي».

· استند نظامي عبود ونميري على المؤسسة العسكرية في حربهما الأهلية في جنوب السودان وبالتالي نجحا في الاحتفاظ بميزان القوى الميدانية لمصلحتهما. أما نظام الجبهة الإسلامية فقد جنى توازناً عسكرياً ميدانياً نتيجة إستهدافه القاصر المؤسسة العسكرية وتعدد جبهاته القتالية (جنوب – شرق – غرب).

· تفاوت الرفض الشعبي الذي كان واسعاً وشاملاً للنظام الحالي، ورغم ذلك انتهي نظامي عبود ونميري بانتفاضة شعبية انطلقت من المدينة، فيما نجح النظام الحالي بكثرة وسرعة المناورات لإطالة عمره الافتراضي – وفى الوصول إلى وقف الحرب على ميادين القتال وانتقاله إلى حرب التفاوض في ثلاث جبهات متزامنة (نيفاشا – أبوجا – القاهرة).

· نجح نظامي عبود ونميري في الحفاظ على وحدة السودان سواء حرباً أو سلماً(1972م) فيما هدد نظام الإسلام السياسي وحدة السودان، ودفعت إلى الانتفاضات الإقليمية الجهوية، وثورة الريف إلى المدينة.

· تخلت الأحزاب التي دعمت نظامي عبود ونميري من دعم السلطة وتحولت إلى المعارضة مما أفقدها الدعم الشعبي. خلافاً للنظام الأيدلوجي الحالي والذي ظل يجد الغطاء الشعبي من حزب الجبهة الإسلامية رغم انشطاره إلى اثنين، واحتمالات انقسامات أخرى تبدو في الأفق ببروز تيارات جديدة.

· نجح نظامي عبود ونميري في التحالفات الإقليمية والدولية مقارنةً بالضغوط المباشرة المتزايدة التي يتعرض لها النظام الحالي، رغم واقع اختلاف الزمان، وتداخل المصالح، وسيادة القطب الواحد.

· استهدف النظام الحالي الطبقة الوسطى ونجح في خلخلتها وبالتالي ساهم في الإسراع ببروز الجيل الثالث لقيادة حركات المعارضة في الريف.

· انتشر الفساد المالي بين كوادر السلطة وشجعت سياسته كنز المال العام والاستهتار به وتزايد وتعميق الفوارق ببن الأغنياء والفقراء، خلافاً للأنظمة السابقة التي كان فيها الفساد محدوداً.

· ابتدع نظام النميرى ثقافة إخفاء قبور شهداء المعارضة وسار نظام البشير على هذا النهج (شهداء 1971م – محمود محمد طه – شهداء رمضان 1990).



يمكن إجمال عناصر ضعف النظام من الناحية العسكرية في اعتماده على المليشيات – نموذجاً (100.000) في إقليم أعالي النيل و(30.000) في جبال النوبة– بعد تحطيمه المستمر للقوات المسلحة، وفشل تجربة إحلال الدفاع الشعبي، ونجاح المعارضة في فتح جبهات متعددة، إضافة إلى الانقسام الذي حدث بداخله، وازدياد أزماته الاقتصادية، وتصاعد الرفض الشعبي.



فيما يمكن إجمال عناصر ضعف الحركة الشعبية في انقساماتها المتعددة(رياك مشار – لام أكول – وليم نون) وعنفها وحجم خسائرها – إضافة إلى طول فترة الحرب وعدم رغبة قاعدتها على استمرارها وتطلعها إلى حل (انفصال – أم وحدة) ومعاناة أجيالها الشابة وحرمانها من التعليم والاستقرار، دخول البترول المكتشف حديثاً كعنصر قوى لمصلحة نظام الخرطوم وتسخير موارده لميزانية الحرب رغم حجم الحركة الكبير إلا أنها تعانى ضعفاً تنظيمياً واضحاً وستكون إحدى إشكالياتها حين تتغير الأدوات إلى سياسية.



في مشهد توازن الضعف هذا، وفى مطلع القرن الجديد وضح للعالم ضرورة التصدي للحرب الأهلية في السودان. أصبحت إفرازات تلك الحرب كبيرة للغاية، ما يقارب المليونين من المدنيين قتلوا نتيجة للحرب وتوابعها من مجاعات طاحنة وأوبئة.. وما يقارب الأربعة مليون من مواطني مناطق الحرب أصبحوا نازحين عن ديارهم، وشكل السودان أكبر نسبة لاجئين في دول الجوار وعلى نطاق العالم. انتهاكات حقوق الإنسان وتقارير جرائم الحرب والرق والعبودية تتصدر نشرات الأخبار في معظم قطاعات الإعلام. برنامج شريان الحياة، والمستمر منذ العام 1985م لتوفير الغذاء للمناطق الجنوبية أضحى متصاعداً عاماً بعد عام. كان لابد أن يتدخل العالم لحسم صراع وإفرازات الحرب الأهلية في السودان. جاء الدور الخارجي واضحاً في تفعيل مبادرة دول الإيقاد لسلام السودان التي لم تبارح محطتها الأولى منذ العام 1994م، حينما توصلت لإعلان مبادئ لحل مشكلة الحرب في جنوب السودان اتفق عليه طرفا الصراع، ونشير هنا إلى أن نظام الخرطوم هو الذي بادر بتقديم اقتراح لدول الإيقاد لتقديم مبادرة ولكنه كان اقتراحا من أجل المناورة.. بنفس القدر فشلت كل الجهود التي قام بها لحسم الحرب عسكرياً طوال حقبة التسعينات من القرن الماضي.. وبنفس القدر أيضاً فشلت الحركة الشعبية لتحرير السودان في تحقيق انتصار حاسم عبر ثمانية عشر عاماً من الحرب الأهلية. إذن قبول الطرفان منبر تفاوض الإيقاد كان نتيجة مباشرة لتوازن الضعف والضغط الدولي.





آفاق المستقبل



تحديات الفترة الانتقالية:

في ختام هذه المحاضرة، وبعد تناولنا للمفاصل الأساسية لمشهد الأزمة السودانية، يتبقى لنا طرح رؤيتنا المستقبلية والتحديات الكبيرة التي علينا مواجهتها. هناك تحدى الانتقال من الدولة الدينية الشمولية ودولة الحزب الواحد إلى الدولة المدنية الديمقراطية التعددية. وتواجهنا أسئلة صعبة، مثل: كيفية استنهاض كل قطاعات شعبنا وشرائحه في مواجهة هذا التحدي، وكيفية تحقيق التوازن بين القوى السياسية المعارضة داخل وخارج التجمع الوطني الديمقراطي ومؤسسات المجتمع المدني وبين حزب الجبهة الإسلامية المسيطر على الدولة ومؤسساتها وثرواتها.. كيف تكون آليات تحقيق هذه التحولات وخلق المؤسسات القومية؟



الهوية (السودانوية):

استند المشروع الحضاري الذي تبنته الجبهة الإسلامية على بناء دولة إسلامية أصولية في السودان، وإعادة صياغة الإنسان السوداني بثقافاته المتعددة في هذا الإطار الأحادي. انهار هذا المشروع عملياً كما ذكرنا سابقاً وإن تشبث به النظام نظرياً لتنافره مع قيم شعبنا المتسامح. ولكن محاولة تطبيق هذا الفكر الشائه بالقوة والعنف على مجتمعنا أفرز الكثير من المرارات وأجج أوار الحرب الأهلية التي راح ضحيتها مئات الألوف. حول المشروع الحضاري الحوار والتلاقح الثقافي بين أبناء شعبنا والذي استمر لعشرات القرون إلى صراع دموي نسف الكثير من القيم الإيجابية المتسامحة التي ورثناها من أسلافنا وأيقظت أحقاداً قديمة كانت في طريقها للزوال، وتراجع الحوار حول هوية سودانية متميزة إلى الوراء خلف دوى المدافع وأنين ضحايا هذا المشروع الحضاري في كل بقعة من بقاع الوطن الكبير. الهوية ليست كائناً جامداً بل هي على الدوام في حالة تطور وتحول، كما أن ما يجمع الشعوب والمجموعات البشرية بهوياتها المتباينة ليس فقط شعارات وأغاني وأناشيد وطنية بل تبادل مصالح ومنافع ووعى بالآخر وضرورته والثقة به واحترامه كما هو وليس كما تريده أنت، نحتاج في ظل الأزمة التي يعانى منها وطننا لفتح صفحة هذه القضية بصورة مختلفة حتى يكون السودان الجديد خاتمة للصراع الثقافي وبداية جديدة للحوار بين ثقافاته المختلفة وعلى أسس جديدة وواقعية تؤسس لوحدة السودان الطوعية.



الدستور:

الإطار الدستوري الذي تم الاتفاق عليه في نيفاشا لا يخدم قضية الوحدة فوجود دستور إسلامي يحكم الشمال – دستور حزب الجبهة الإسلامية – وآخر علماني يحكم الجنوب وثالث يجمع بين القضايا الدستورية المشتركة للكيانين يكرس لوجود دولتين وهذا نتاج طبيعي لإصرار النظام على الدستور الإسلامي حسب تصورها للإسلام ولا نحتاج إلى القول بان هذا الدستور مخالف حتى للقيم الإسلامية في إشاعة العدالة وحقوق الإنسان. الوضع الطبيعي أن يحكم الدولة الواحدة بأديانها وثقافاتها المختلفة دستور مدني ديمقراطي واحد يطبق على الجميع دون تفرقة. نحن نذهب مع الدعوة إلى قيام مؤتمر دستوري تشارك فيه كل القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والمختصين، كما أن مقترح الدستور الانتقالي الذي وضعته أمانة الشئون القانونية للتجمع الوطني يصلح لأن يكون أساساً لدستور دائم للسودان.



مفهوم الأمن القومي:

· مفهوم الأمن القومي هو مسئولية سلطة الحكومة و«سلطة المعارضة»، وهو بداية الحكمة، وقضية متعددة الأبعاد والعوامل، تختلط فيها السياسة بالاقتصاد، والجغرافيا بالعسكرية، والوضع الاجتماعي بالأمن، والنظام السياسي بالإستراتيجية. الأمن القومي يعني تحديد الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإستراتيجية التي يتحقق في ظلها أمن المجتمع وسلامته، ويعنى تحديد الظروف والمواقف التي تشكل خطراً على الوطن.

· يبقى القول أن الأمن القومي وتوحيد مفهومه هو مسئولية «سلطة الحكومة» و«سلطة المعارضة»، فاتفاق السلام يتضمن أساساً قضايا قومية وليست كلها ثنائية، والتعامل معها بالعقلية الثنائية، أو المكايدة والابتزاز السياسي، سيقود حتماً إلى عواقب ضد مصلحة الوطن والجماهير. كما أن مهام ترسيخ السلام وإعادة بناء الوطن ومواجهة التحديات الوطنية الشاملة هي مسئولية كل القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، شمالاً وجنوباً، شرقاُ وغرباً، حكومةً ومعارضة.



ننبه إلى أن النظام سيكون شريكاً في الحكم بعد أن كان وحيداً ومسيطراً على قدرات البلاد وحقوق العباد، وقد يعتقد البعض خطأ أن مجرد مشاركة آخرين له ستقود إلى ضعف قبضته الأمنية وتفكيك أجهزته، ولكننا نرى أن النظام سيكون أكثر شراسة للحفاظ على سيطرته والحفاظ على مؤسساته الأمنية خلال الفترة الانتقالية، ولنا أن نتصور خطورة ذلك على مستقبل التحول الديمقراطي. لذلك ندعو النظام أن يعلن أولاً عن أجهزته الأمنية العلنية منها والسرية للشعب السوداني وللقوى السياسية واعتبارها أجهزة حزبية تستخدم لقهر وقمع الجماهير، وندعو ثانية إلى بناء الأجهزة وفق مفهوم قومي احترافي والتزام صارم بالدستور وحكم القانون ومواثيق حقوق الإنسان.



ونشير هنا إلى خطأ حل جهاز الأمن القومي بعد الانتفاضة في 1985، مما أدى إلى فراغ أمني، وانتقلت الوثائق إلى أيدي الأحزاب والأفراد، والمخابرات الأجنبية.. إضافة إلى أن جهاز أمن مايو، ورغم أنه كان يحمى نظاماً دكتاتورياً إلا أنه لم يبنى على قاعدة أيدلوجية كما هو الحال بالنسبة لجهاز أمن النظام الحالي، ويمكن الإشارة أيضاً إلى تجربة جهاز الـ «كي. جي. بي» في فترة الحكم الشمولي السوفيتي، فلم يحل الجهاز عند انهيار الاتحاد السوفيتي.



الأجهزة الأمنية ليس مجرد أفراد ينتمون إلى حزب أو أيدلوجية وإنما أجهزة ومعدات زمنية ومعلومات ووثائق سرية ملك للشعب. ويبقى القول أن التفاوض مع النظام يجب أن يصل إلى تحديد مفهوم وفلسفة للأجهزة الأمنية وتحديد عددها وأسمائها وقوانينها ومهامها وتبعيتها وعلاقتها بالدستور، وعندها يمكن أن تكتمل عملية تسليم وتسلم كاملة، وحل كامل للأجهزة القائمة، على أن يتم ذلك وفق فترة زمنية محددة.



حقوق القوات والشهداء :

طرفا التفاوض، الحركة الشعبية لتحرير السودان والنظام الإرهابي الشمولي، اتفقا على اعتبار الخسائر البشرية للطرفين «شهداء»، وأن يعاملوا وفقاً لقانون ولوائح الاستشهاد، إضافة إلى اعتبار قوات الطرفين ضباطاً وجنوداً ومقاتلين من أجل الحرية جزء من القوات المسلحة السودانية، يتمتعون باستحقاقاتها لحين تسريح البعض منهم ومنحهم فوائد ما بعد الخدمة.



نعتقد أن هذا من الأخطاء الجسيمة التي تغاضى عنها الاتفاق، لأنه يحرم المناضلين والمقاتلين الذين استشهدوا أو عوِّقوا في الجبهة الشرقية والنيل الأزرق ودارفور، والمقاومة في داخل السودان، من حقهم المشروع في مساواتهم بما نص عليه الاتفاق بين طرفي التفاوض في نيفاشا، ورد الاعتبار لهم في مرحلة السلام، إضافة إلى أن هذا الوضع يتناقض مع مبادئ العدالة والمساواة التي نصت عليها الاتفاقيات. ونرى أن يكرس كل الجهد من أجل معالجة هذه القضية الهامة، بل والمبدئية، والتي تتفق ومواقف وأدبيات التجمع الوطني الديمقراطي، وإلا فسوف تكون قنبلة موقوتة في سودان المرحلة القادمة.



قضايا المحاسبة والمفصولين:

إحدى أهم الأسباب التي أجبرت نظام الخرطوم إلى الركون للتفاوض والوصول إلى اتفاق هي الهروب من المحاسبة على المظالم التي ارتكبها، وندعو التجمع إلى تبني تكوين هيئة قضائية للمحاسبة على كل الدعاوى المرفوعة ضد النظام، لأنها الأسلوب القانوني الأفضل لتنقية الحياة السياسية والاجتماعية المستقبلية، وفتح الطريق لإزالة التجاوزات والمرارات والمظالم.



كما ندعو التجمع الوطني إلى تبني قضايا المفصولين تعسفياً لرد الاعتبار لهم وتحسين معاشاتهم، لحياة كريمة ومستقبل أفضل لهم ولأسرهم، وإعادة المؤهلين منهم، ويشمل ذلك كل المفصولين من الخدمة المدنية، عمالاً وموظفين، ومن الخدمة النظامية ضباطاً وجنوداً، ونقترح لذلك تكوين هيئتين قوميتين: الأولى، للمفصولين من الخدمة المدنية، والثانية: للمفصولين من الخدمة النظامية، وذلك لوضع الأسس والشروط لإعادتهم إلى الخدمة، أو تحسين أوضاعهم.



قوى السودان الجديد والحزب الجماهيري:

إن جماهير شعبنا التي تنظر إلى المستقبل، وفى طليعتها قوى السودان الجديد وهى على مشارف الانتقال إلى مرحلة جديدة، تواجه تحدي تنظيم نفسها ووحدتها، والتي تتطلب إعادة قراءة برنامج قوى السودان الجديد، وإعادة صياغة لمؤسساتها وهيكلتها، والإعداد لعقد مؤتمر يجمعها داخل السودان في سبيل التحول إلى حزب جماهيري عريض تقود شعب السودان في مرحلة التحول الديمقراطي والاستقرار والتنمية. نرى أن تتبنى قوى السودان الجديد «الدولة المدنية الديمقراطية الموحدة» مفهوماً وإطاراً لبرامجها في مقابل الدولة الثيوقراطية والمشروع الحضاري الذي يطرحه نظام الخرطوم.



تحدي الحفاظ على وحدة السودان:

إن اتفاق نيفاشا يحمل إيجابيات سياسية كثيرة، ولكنه يحمل في طياته جينات الوحدة وجينات الانفصال في نفس الوقت، فالاتفاق من الأساس بُنِيَ على مفهوم كيانين، هما الشمال العربي المسلم والجنوب الأفريقي المسيحي، وأدى ذلك إلى بداية لتأسيس دولة علمانية في الجنوب، ودولة دينية في الشمال، ونرى أن هذا مفهوم غير صحيح، وإن البديل هو أن يستند اتفاق السلام على أن التنوع في المجتمع ليس تنوعاً ثنائياً بين الشمال والجنوب، بل تنوعاً شمالياً شمالياً وجنوبياً جنوبياً، وهذا ما أثبته الواقع على الأرض في الجبهة الشرقية وأزمة دارفور. السودان يواجه تحديات متعددة، كعملية التحول الديمقراطي وشمولية الاتفاق، ولكن يظل التحدي الأساسي هو أن يقود الاتفاق إلى وحدة السودان وليس تشطيره، لأن نظام الجبهة الشمولي أسبقيته هي السلطة والدولة الدينية، في مقابل استهتاره بوحدة السودان.



ختاماً، إن المستقبل مرهون بمصداقية وشفافية القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، والالتزام الصادق بالاتفاقات التي يتم التوصل إليها، والعمل من أجل إنفاذها وتمليكها للجماهير وإجراء استفتاء شعبي حولها، فهي صاحبة المصلحة الحقيقية في السلام والاستقرار والتنمية والرفاهية.



تحدي الحفاظ على توازن الحل السياسي الشامل

وأخيرا.. نرى إن السلام الشامل والدائم يتطلب الإجماع.. وهذا الإجماع لن يتحقق إلا بالمشاركة الكاملة لكل أطراف الصراع السوداني في الحل النهائي، وسيحقق ذلك التنسيق الكامل وردم الفجوات التي ستنجم من تعدد منابر التفاوض الراهن (نيفاشا/ أبوجا/ القاهرة). عليه، نحن في التحالف نرى إمكانية تحقيق الإجماع الشامل عبر عقد ثلاث مؤتمرات متتالية:

المؤتمر الأول: تحضره هيئات التفاوض في المنابر الثلاث للتنسيق الأخير والفاصل.

المؤتمر الثاني: تشارك فيه كل قوى المعارضة السودانية لتحقيق القبول والتوافق الكامل.

أخيراً ـ المؤتمر القومي للسلام الشامل: وهو المؤتمر الدستوري القومي الذي أقرته مواثيق أسمرا في يونيو 1995، وفيه سيتحقق الإجماع الكامل على الحل السياسي الشامل، وسنؤمن الإصتفاف القومي للدفاع عن السلام والاستقرار والديموقراطية.



التحية لشهداء الحرية والديمقراطية

لكم التقدير والشكر.. ولكم السلام ..

***********************************

ذلكم كان هو نص الندوة التي كان من المقرر أن يلقيها العميد المقاتل عبد العزيز خالد رئيس المكتب التنفيذي للتحالف الوطني السوداني / قوات التحالف ..مساء الجمعة المصادف/9/2004م بالنادي السوداني بأبوطبي ,, ولكنه اعتقل عصر الخميس 23/9/2004م حيث بقي
حبيس معتقله حتي الثلاثاء 23/11/2004م ليتم تسفيره الى الخرطوم .