موسم الهجرة إلى الشمال .. صيحة في وجه غفلتنا!

صورة العضو الشخصية
Ali Ali
.
.
مشاركات: 27
اشترك في: الأربعاء مارس 07, 2018 12:07 am


اتصال:

موسم الهجرة إلى الشمال .. صيحة في وجه غفلتنا!

مشاركة غير مقروءة بواسطة Ali Ali » الأربعاء أغسطس 22, 2018 10:06 am

صورة

ربعت الرواية زمنا طويلا في رفوف المكتبة، تناقلتها الأجيال كما يقال. اشتراها جدي، واحتفظت بها خالتي، ويوم أدركوا أني صرت ألتهم الكتب بنهم وما عادت القصص الصغيرة تروقني، سلّموني إياها مع مجموعة من الروايات الأخرى التي تخبّئها جدتي في بيتها. دخلت "موسم الهجرة" منزلنا إذن يوم كنت أبلغ من العمر ثلاثة عشر سنة تقريبا لتحتل مكانها المناسب في مكتبتنا، ولم أتصفحها من يومها. فالنفوس مجبولة على تفضيل الجمال، وهي لم تكن -شكلا- تروقني.

أذكر أنني قرأت الصفّ كله ولما وصلت عندها انتابني شعور بالزهد في المطالعة، ورميتها مجددا فوق الرف ومضت مدة قبل أن تعود إليّ شهية القراءة لأقتحم أغوار كتب أخرى غيرها. وبقيت هناك حتى قررت في لحظة فارقة من حياتي -قبل سنتين تحديدا- أن أطالع رواية "حدّث أبو هريرة قال" للمسعدي. لماذا أقول أنها لحظة فارقة؟ لأنها كانت بالفعل كذلك. "حدّث أبو هريرة" أقامت عاصفة أدبية فكرية ونفسية لدي، فيها شيء من البلاغة والفلسفة الراقية والعجيبة بمكان، ما أضفى عليها طعما كالمرّ لا يُنسى سرعان ما تطغى بعده الحلاوة وترسخ فكأنما نبتت لها جذور، عميقا في النفس.

ولمّا كانت روايتنا هذه -أعني موسم الهجرة إلى الشمال- تصنّف مع سابقتها في نفس النمط الأدبي، ولا يُعرف في أدب تلك الفترة ما يضاهيها إلا أبا هريرة للمسعدي ولص نجيب محفوظ ويأطر حنا مينا، بصراحة خفت! خفت حقا، ولم أجرأ على التفكير فيها مجددا، فأخفيتها مع الكتب التي لا أرغب في قراءتها، أسفل سافلين (في الدرج الأدنى من الخزانة). وظهر صديق فجأة، أو ظهرتُ في حياة صديق فجأة، فاقترحها عليّ وأقنعني بضرورة مطالعتها، ولأنه صديق جديد لم يكن من اللائق رفض اقتراحه بما يتوافق مع موقف سلبي لا مبرر له عندي بشأن موسم الهجرة إلى الشمال.

فجلست أقرأها بعناية ساعتين من الظهيرة، ثم ساعتين من الليل. ولم أكمل السهرة إلا وقد أتممتها طمعا في نقاش جادّ مع قارئ سبّاق في المعرفة. وأستحضر في وصف نهمي لها قول أبي نواس "وشربنا شرب قوم ضمئوا من عهد عاد". الآن أكتب، "وفي حال تقرب من الحمى طافت برأسي نتف من أفكار، كلمات من جمل، وصور لوجوه وأصوات تجيء كلها يابسة كالأعاصير الصغيرة التي تهب في الحقول البور". فهل تراني ندمت؟ ربما من الزخم الجنسي الذي تكاد تنضح به كل صفحات الرواية، لكنني في هذا العمر لا بد أن أقرّ بأن عليّ أن أكون أكثر نضجا وأتقبّل الأعمال الأدبية التي تمرّ بي كما هي، فكل إقصاء لأي جانب من جوانبها هو ضياع لنصيب هام من معانيها ومقاصدها.

ربما ندمت على كل هذا التأخر في مطالعتها، لا. ما كان يجب أن أطالعها في سنّ أصغر من هذه، ولا أنصح بها للقاصرين ولا لأصحاب القلوب الضعيفة. علما وأني لم أتناول عشائي البارحة بسبب انشغالي بالرواية وأنني غفوت من شدة التعب دون وعيي كنومي ليلة قرأت حدث أبو هريرة قال، غير أني لم أحلم بمصطفى سعيد ولا بالحاج أحمد ولا بحفيده كما حلمت وقتها بأبي هريرة في المنام (ولي في ذكر ذلك قصة طريفة مضحكة). وكعادتي، نشرت بعض المقتطفات في حسابي على الفيسبوك، فتاق عدد من أصدقائي إلى مطالعة الرواية، ويسألني بعضهم هل هي جيّدة؟ بدأت فيها فهل تنصحينني بمواصلتها أم لا داعي لذلك؟ فأقول واصل ولا تتردد.

إن الذي طواه الطيب صالح بين وريقات هذا المنتوج الأدبي الكبير لمزيج من العظمة؛ عظمة مواقفه، وعظمة بلاغته، وعظمة خياله، وقدرته في بناء الشخصية الروائية بكثافة دلالاتها الإيحائية ورموزها المتشابكة كأدغال أفريقيا، ومعانيها البعيدة الأنفاق ككهوف خرافية لا تدري إذا دخلتها إلى أيّ من العوالم الغريبة قد تنتهي بك خطواتك.. أذكر هنا أنه قد سبق لي أن قرأت له رواية "عرس الزين" ولكن للأمانة لا أذكر منها شيئا الآن إلا خيال فتى مجنون يقفز من مكان إلى مكان.

أما وما زلت حديثة عهد بهذه الرواية فباستطاعتي القول -ولا أخالف بهذا قول السابقين ولا اعتبرني أتيت بجديد- أنها لقاء عالمين وثقافتين، أراد بها الطيب صالح تصوير صيحة فزع في وجه غفلتنا تحت وقع الصدام الحضاري العنيف بالغرب. فكانت الحكاية عبارة عن ضمير عربي يتفجّع بما آل إليه واقعنا وما عصف به التاريخ على المجتمع ككل ويسّاءل أين يجرفنا سيله؟ خاصة في المشهد الأخير الذي قفلَ الموسمَ بِحيرة.. أنغترب عن ذاتنا في غيرنا؟ -كما قُدّم للرواية- أم نقدر أن نتقدّم دون أن نكفّ عن كوننا "نحن" بشخصيتنا؟ ما مشروعنا الحضاري؟ فالواقع فوضى كله، فوضى دامية وآفاق الصيرورة غامضة. هكذا أخرج الطيب صالح منتوجه وعرض قضية تمس بالمصير -عاريا إلا من صدق المواجهة وحب الاستبصار- في حدود السودان وعلى مدى جيلين من المثقفين قبل الاستقلال وبعده.

ولمن لا يعرف الطيب صالح نقول أنه روائي مبدع من ألمع وجوه القصة العربية في عصره. ولد سنة 1929 بإحدى القرى من شمال السودان، وتخرج من جامعة لندن في الشؤون الدولية. أشرف على قسم الدراما في الإذاعة البريطانية. نم قرير العين يا أيها الرجل الصالح. أقولها في الختام وبكل صراحة وصدق: لا بد أن يتم إدماج الأدب الإفريقي في المناهج الدراسية عندنا لأنه أدب ثري، ولا أقصد الدول الإفريقية العربية، بل بقية الدول وسط القارة وجنوبها على امتداد أرضها شرقا وغربا، لأننا فعلا نكاد لا نعرف عنها شيئا. هو رجاء ولعله يتحقق.

مريم الشول
طالبة جامعية وكاتبة هاوية