+1 240-705-8566
Info@SudanOnline.Net

«قل للمطي».. الشـوق بوصلـة المحب إلى بيت الله

«قل للمطي».. الشـوق بوصلـة المحب إلى بيت الله
المصدر: الخليج تم النشر في: قد 22, 2020 مشاهدة: 5

«قل للمطي».. الشـوق بوصلـة المحب إلى بيت الله

الشارقة: علاء الدين محمود

سير المحب الزاهد في طريق السالكين، يحمل في طياته تفاصيل رحلة روحية عامرة بالجمال، حيث يلقى فيها المحب الصوفي ما يلقى من فيوضات نورانية، تشكل عنده تجربة عظمية تنعكس على أقوال الصوفيين وأشعارهم، لذلك دائماً ما يتميز الشعر الصوفي بعطرية خاصة تفوح على المتلقين فيُحلّقون في عوالم من المدد النوراني؛ إذ يلامس شعر المتصوفة وجدانهم، ويصور حال أنفسهم التي تهفو إلى طريق الله تعالى، ولعل من أكثر المواضيع التي تناولها الصوفيون، الشوق والحنين إلى زيارة بيت الله والأماكن المقدسة في مكة والمدينة، حيث كانت الرحلة إليها موضوعاً شعرياً أنتج الكثير من النصوص الشفيفة التي تحكي عن الوجد وتباريح الشوق.
نظم كثير من الشعراء قصائد في ذكر الرحلة إلى بيت الله تعالى اشتملت على وصف بديع عامر بالصور، وكذلك مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر سيرته وفضائله وأخلاقه، ومن شدة لهفة الشعراء وتشوقهم للوصول إلى البيت الحرام، فإنهم يظنون أن مطيهم ودوابهم تقاسمهم ذلك الشوق، فيخاطبونها ويحثونها على المسير، وفي ذلك شعر كثير يقطر رقة وعذوبة كقول ابن الفارض:

سائقَ الأظعانِ يَطوي البيدَ طَيْ

                           مُنْعِماً عَرِّجْ على كُثْبَانِ طَيْ.

ومن أشهر الشعراء الذين حملت قصائدهم مشاعر الشوق والحنين إلى بيت الله تعالى، عبد الرحيم أحمد بن علي البرعي اليماني، وينسب إلى جبل «برع» في اليمن، وقد عاش في القرن التاسع الهجري، وتوفي عام 883 ه 1400م، وهو شاعر بليغ متصوف، درس وقرأ الفقه والنحو على جماعة من علماء عصره، ثم اشتغل بالتدريس والفتوى، واشتهر بالعلم والعمل، وكان شاعراً مجيداً، له العديد من القصائد الصوفية، وأروعها في مدح النبي الكريم. وعلى الرغم من أنه عاش في عصر كثر فيه الشعراء على أبواب الملوك، فإنه لم يتكسب بشعره لديهم لمدحهم على الرغم من فقره الشديد، وقد ذكر في بعض أشعاره معاناته وهمومه الناتجة عن العوز، فقد كان لديه عدد كبير من الأطفال وأسرة يرعاها، وقال في إحدى قصائده:

كهل كبير وأطفالٌ وحاشية

                 لا يقدرون على التحويل والنقل.

برع شاعرنا في النظم في وقت كثرت فيه الصناعة، ولجأ الشعراء إلى التأنق المبالغ فيه، والإكثار من المحسنات البديعية، لكن البرعي كان يطلق الشعر بتلقائية واسترسال، مع مقدرة على صناعة الصور والمشاهد، فقد كان حسن الأسلوب، رقيق العبارة، واشتهر بمدح النبي صلى الله عليه وسلم، بشعر عذب رقيق يلامس القلب والوجدان، حتى إن أشعاره صارت تردد بكثرة في العالم الإسلامي إلى يومنا هذا، ومن أشهر قصائده التي يعبر فيها عن شوقه لمكة والبيت الحرام، تلك التي يقول فيها:

يا راحلين إلى منى بقياد

                      هيجتم يوم الرحيل فؤادي

سرتم وسار دليلكم يا وحشتي

                     الشوق أقلقني وصوت الحادي

حرمتم جفني المنام ببعدكم

                   يا ساكنين المنحنى والوادي.

كما أن له العديد من القصائد في محبة الله تعالى، والتي يحض فيها السالكين على السير في طريق الأنوار النورانية، ويكثر فيها من التضرع إلى الله عز وجل، فقد كان البرعي شديد الورع والتقوى، ولعل من أجمل قصائده التي تدور حول هذه المعاني تلك التي يقول فيها:

عسى منْ لطيفِ الصنع نظرة رحمة

                        إلى منْ جفاهُ الأهلُ والصحبُ والألفُ

عسى فرج يأتي به اللهُ عاجلاً

                       يسرُّ بهِ الملهوفُ إذ عمهُ اللهفُ

عسى لغريبِ الدارِ تدبيرُ رأفة

                     و برّ منَ الباري إذا العيشُ لمْ يصفُ.


إلى مكة


أما قصيدة «قل للمطي»، فهي من أورع ما قيل في الشعر الصوفي والمدح النبوي وذكر الأماكن المقدسة، وهي تحكي عن ساعة توجه قوافل الإبل نحو بيت الله في موسم الحج، وهي لحظة تتكرر كثيراً في شعر البرعي، وتعبر عن حالة شوق شديد، ويخاطب فيها المطي؛ أي الإبل والرواحل التي تحمل الناس إلى مكة.
وتحمل القصيدة كثيراً من وصف الطريق والأماكن، وتتعطر بذكر نبي الله وجميل محاسنه وشمائله، والقصيدة طويلة، يقول مطلعها:

قلْ للمطيِّ اللواتي طالَ مسراها

                          منْ بعدِ تقبيلِ يمناها ويسراها

ما ضرها يومَ جدَّ البينُ لوْ وقفتْ

                         تقصُّ في الحيِّ شكوانا وشكواها

لو حملتْ بعضَ ما حملتُ منْ حرقٍ

                         ما استعذبتْ ماءها الصافي ومرعاها

لكنها علمتْ وجدي فأوجدها

                       شوقٌ إلى الشام أبكاني وأبكاها

ما هبّ منْ جبلي نجد نسيمُ صباً

                       للغورِ إلا وأشجاني وأشجاها

و لا سرى البارق المكي مبتسماً

                     إلا وأشهرني وهناً وأسراها

تبادرتْ منْ ربا نابتي برعٍ

                     كأنَّ صوتَ رسولِ اللهِ ناداها

حتى إذا ما رأتْ نورُ النبيِّ رأتْ

                    للشمسِ والبدرِ أمثالاً وأشباها

حطتْ بسوحِ رسولِ اللهِ و اطرحت

                   أثقالها ولديهِ طابَ مثواها

حيا الغمامُ الرحابَ الخضرَ منسجماً

                         فالقبرَ فالروضة الخضراء حيّاها

حيثُ النبوة مضروبٌ سرادقها

                       و ذروة الدينِ فوقَ النجمِ علياها

هنالكَ المصطفى المختارُ منْ مضرٍ

                      خيرُ البرية أقصاها وأدناها

أتى بهِ اللهُ مبعوثاً وأمتهُ

                على شفا جرفٍ هارٍ فأنجاها

ذاكَ البشيرُ النذير المستغاثُ بهِ

               سرُ النبوة في الدنيا ومعناها


توهج


القصيدة تمثل حالة من التوهج النوراني، فهي حديقة غناء ملأى بالأزهار، تطمئن بها النفوس ساعة الذكر والصفاء الروحي، فتهفو إلى البيت الحرام، حيث يأخذها الحنين إلى تلك الأماكن التي تعلق بها قلب البرعي.

  About

سودان اونلاين , عبارة عن محرك بحث اخباري فقط ولا يتحمل المسؤولية عن إي محتوى منشور.

نقوم بنشر اخر الاخبار السياسية العاجلة المباشرة.. اقتصادية وفنية لحظة بلحظة من جميع المواقع كل دقيقة خبر جديد.

  Follow Us
خريطة الموقع
عرض خريطة الموقع
  Contact Us
 Sudan Online Network

U.S.A

Tel : +1 (240) - 705 8566
Mail : sudanonline@yahoo.com
Business Hours : 24/7