+1 240-705-8566
Info@SudanOnline.Net

بين العادة والسعادة

بين العادة والسعادة
المصدر: صحيفة السوداني تم النشر في: فبراير 09, 2019 مشاهدة: 46

بين العادة والسعادة


د. حسن صالح التوم


العادة هي المُمارسة المُتكرِّرة أو ما اعتاد الإنسان القيام به دون جهدٍ، وبالتالي فالعَادة تلغي التفكير، فالإنسان هنا لا يُريد أن يدخل في مُبارزةٍ عقلية أو جدلٍ منطقي، إنّما يتكئ على العَادة ويَقوم بمَا يَقُوم به دُون أن يُكلِّف نفسه جهد التفكير. وتعريف العَادة في القاموس الوسيط هي كل ما اعتيد عليه حتى صار يُفعل من غير جُهدٍ، والعادة الحالة تتكرّر على نهج واحد. أمّا قاموس ويبستر فإنّه يعرفها بأنّها (written law- as un Long established practice considered) أي أنّها مُمارسات طويلة الأمد بمثابة قانون غير مكتوبٍ، أو أنّها مُمارسات وتقاليد تُنظِّم الحياة الاجتماعية. وإذا رجعنا إلى الرسالات السماوية نجدها كلها تصطدم وتُحارب العَادات المُرذولة التي تحجب نور العقل والهداية وتدع الناس في ظلام العادة والغواية. وفي قصة سيدنا هود عليه السلام المرسل إلى قوم (عاد) دعاهم إلى وحدانية الله فماذا قالوا؟ كما جاء في الأعراف (قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) الأعراف (70) وكما ذكر الشيخ مُحمد أحمد جاد المولى في (قصص القرآن) أنهم أعرضوا وقالوا ما أنت إلا سفيه طائش الحلم وتعيب علينا ما وجدنا عليه آباءنا... فيرد عليهم سيدنا هود (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ) الأعراف (71) والأسماء المذكورة هنا هي أسماء الأصنام. وفي قصة سيدنا صالح أنه أرسل إلى (ثمود) فدعاهم لدين التوحيد فماذا كانت الاستجابة: أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وقد درجنا عليه ونشأنا متمسكين به إننا لن نترك ما وجدنا عليه آباءنا ونتبع هواك (قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)  هود (62) فجاءهم العقاب (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) القمر (31) (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا  وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا) الشمس (14)(15) المحتظر هو صانع الحظيرة ودمدم أطبق عليهم بالعذاب وفي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما ألجمهم بالحجة الدامغة بعد أن كسر أصنامهم وقال لهم اسألوا كبيرهم يدلكم على من فعل هذا، وعندما احتاروا وجادلهم كانت حجتهم أوهى من خيوط العنكبوت فقالوا (وجدنا آباءنا لها عابدين) فاعترفوا أنهم ما عبدوها إلا اقتداء بأسلافهم واتباعاً لآبائهم ورأوا أن قدمها دليل وبرهان على الإجلال والتعظيم وكانوا بذلك أبعد ما يكونون عن النظر الصحيح والتفكير السليم ولذلك كان الرد القرآني (قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) الأنبياء (54) وفي آية أخرى (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) المائدة (104).
يتّضح مِمّا سبق أنّ العادة لا تقوم مقام الحق وليس في القدم ميزة أو قداسة إن كان على باطلٍ، فالحق أحق أن يُتّبع ولو طال الأمد وإن الرجوع للحق فضيلة.     
ومن العادة ارتباط المرأة بلبس النقاب في بعض الدول العربية بل ألزمت به ولم يكن ذلك مُلزماً لها، حَيث نَصّ الحديث الشريف على كشف الوجه واليدين ولكن التقاليد الضاربة الجُذور نظرت إلى الأمر بعينٍ واحدةٍ ولم تنظر إلى من أجازوا كشف الوجه واليدين وأنّ في الأمر مندوحة وبذلك ضيّقوا واسعاً بعدما توسّعوا في باب سد الذرائع. والأمر كذلك في قيادة المرأة للسّيّارة. وفي مُجتمعنا السُّوداني تعشعش العادات التي تسخّر الناس وتوجه تصرفاتهم، ومن ذلك الصرف البذخي في المُناسبات مما يحمّل صاحب المُناسبة أعباءً مالية لا طاقة له بها، وكيف لا يفعل ما جرت به العادة والمثل يقول (إديّن واتبيّن) (والناس تقول علينا شنو) وتجد النساء أكثر أهل العادات إصراراً (مع الاعتذار وعدم التعميم) والعادات التي نصفها أنّها ضارة (habits harmful) كثيرة في السودان وفي عموم الدول النامية مِمّا حدا بالأمم المُتّحدة تكوين وكالة أو صندوق يَتعامل مع هذه العادات التي تعيق تَطوُّر الإنسان وهي صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA). ومن عاداتنا التي نصر عليها الزيارات في أيِّ وقتٍ ولا نتحرّج في ذلك بينما نجد ديننا الحنيف ينظم ذلك كما في الآية 58 من سورة النور (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) وهذه الأوقات الثلاثة المذكورة سماها القرآن الكريم (عورة) كي ينفر الناس من الزيارة فيها فما بالنا لا نستجيب. ومن المُمكن للمُضيف الاعتذار عن استقبال الزائر (وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) 28 النور. سألت مرة أحد الإخوان ماذا يفعل إذا اعتذر أحد الناس عن استقباله فقال (عليّ الطلاق لا أتكلم معه إلى يوم القيامة) فقلت له ماذا تقول في (هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) فقال (الناس تترك أشياء كثيرة من الدين ولا يعرفونه إلا في هذه النقطة؟). وقد ورد في تفسير المام القرطبي في هذه الآية أن رجلاً من المهاجرين قال: لقد طلبت عمري هذه الآية فما أدركتها أن استأذن على بعض إخواني فيقول لي أرجع وأنا مغتبط لقوله تعالى (هو أزكى لكم).. أذكر أنّه كان لي جار سوري الجنسية عندما كُنّا في الاغتراب برياض المملكة السعودية، ووجدني يوماً أودِّع مَجموعة من الإخوة كانوا مَعنا على الغداء فسألني ما الأمر - وهو قد لاحظ كثرة الزُّوار من قِبل - وهل جاءوا بناءً على دعوةٍ، فقلت له لم تكن هناك دعوة ولكن يبدو أنّهم قد شعروا بانقطاع طويلٍ منا ففكّروا في الغداء معنا فأداروا مقود سيارتهم وجاءوا إلينا فقال (هيك يا زلمة) قلت له (هيك) وهي مسألة عادية عندنا فأخذ يُردِّد (هيك ما يصير يا زلمة). فسألته عن حالهم فقال: نحن لا نزور ولا نُزار إلا في نهاية الأسبوع وبناءً على موعدٍ سابقٍ فقلت له (أنتم هيك ونحن هيك).
ومن العادات الضارة التي يعمل فيها صندوق الأمم المتحدة للسكان، العُنف ضد المرأة والزواج المُبكِّر والخفاض الفرعوني. وهذا الأخير من العادات المُتجذِّرة في المُجتمع السوداني، فقد تحدّث فيها الفقهاء والأطباء وعلماء الاجتماع ولا تزال تتشبّث بالوجود. ومن العجيب الذي يذكر هنا أنّ العادة أحياناً أقوى من القانون ذلك أنّ قانوناً قد أصدره الإنجليز عام 1947م يحرم عادة الخفاض وظل مغموراً لا يعرفه أحد، بل أنّ بعض الوطنيين في ذلك الزمان قد استغل صدور هذا القانون وجعله ذريعةً لمُصادمة الإنجليز ومنهم المرحوم محمود محمد طه الذي قاد مظاهرة برفاعة وسُجن على إثرها بالرغم من إدراكهم أنّها عادةٌ سيئةٌ ولكن يكفي للرفض أن يكون القانون قد صَدَرَ من المُستعمر.. وذلك بمفهوم أنّ كل الذي فوق الترابِ ترابُ.  

Let's block ads! (Why?)

  About

سودان اونلاين , عبارة عن محرك بحث اخباري فقط ولا يتحمل المسؤولية عن إي محتوى منشور.

نقوم بنشر اخر الاخبار السياسية العاجلة المباشرة.. اقتصادية وفنية لحظة بلحظة من جميع المواقع كل دقيقة خبر جديد.

  Follow Us
خريطة الموقع
عرض خريطة الموقع
  Contact Us
 Sudan Online Network

U.S.A

Tel : +1 (240) - 705 8566
Mail : Info@SudanOnline.Net
Business Hours : 24/7