+1 240-705-8566
Info@SudanOnline.Net

*مُحَمّد خيْر عُثمان: "أسـتاذِي، لكَ حُبـّي"..

*مُحَمّد خيْر عُثمان:
المصدر: صحيفة السوداني تم النشر في: فبراير 09, 2019 مشاهدة: 50

*مُحَمّد خيْر عُثمان: "أسـتاذِي، لكَ حُبـّي"..


بقلم: جمَال مُحمّد إبراهيْم

أقرب إلى القلب :
(1)
جئتُ إلى قاعة تدشين كتاب الدكتور محمد خير عثمان، بقلبٍ كسير.
كان أوّل ما جاء على لساني، تساؤل مشروع، قد يعجب البعضَ وقد يثير حنق آخرين. تساءلتُ: كيف كتب علينا أن نبكي على الأطلال، بين كلّ يومٍ وآخر..؟
 وأطلال السودان تجاوزتْ التاريخ، مثلما تجاوزتْ الجغرافيا، بفراسخ لا تُحصَى.
ليتَ أطلالنا وقفتْ على ما كنا نرى أو نلمس أو نحسّ، بل تعدّتْ فدادين الجزيرة المُستباحة، وتجاوزتْ عربات السكك الحديدية المُهترئة، وطوت دواوين الخدمة المدنية المنهارة، وها هي قد امتدت يدها إلى الفضاء الرحب، فكانت لنا أطلال بكينا عليها، اسمها خط "هيثرو". بذريعة البناء، جاءتْ معاولُ الهدم. ربّما يأتي زمانٌ فتستعاد فيه هذه المفقودات، وتُبتنَى مِن جديدٍ عُمُد الوطن وثوابت شموخه، على أن الخسارة الكبرى، هي في ضياع ما لا يُمكن أن يستعاد، وفي بعثرة ما نعجز عن جمعه من جديد، وفي مَوات الرّوح تفنى، فلا مُحيّ لها إلا عند قيام الساعة.
(2)
 جئتُ إلى حفل تدشين كتاب التربويّ الكبير الدكتور محمد خير عثمان، وهو كتابٌ يحدّث عن بخت الرِّضا، فكان الحفل  دمعة على ما ضاع من إرث تربوي، نشأتْ في أكنافه أجيالٌ من أبناء السودان، عامتهم وصفوتهم، صنعوا بعض أمجاد البلاد، وأسهموا بما تربّوا عليه، وما ارتقتْ عليه مواهبهم التي صاغتها الفطرة والسجية، وقُدراتهم التي روتْ جذورها مناهج التربية والتعليم المكتسب.
قدّم "شايقي" - كما يحلو لمُجايليه أن ينادوه- عصارة تجربته، بحلوها ومرّها، عبر سنوات مجده التربويّ، فكان كنز أيامه مُتاحاً لنا في صفحات ثرية مُفعمة بروح صادقة، تتعشم أن تسير بخطىً واثقة إلى الأمام، فتنجز بأكثر ممّا أنجزت بخت الرِّضا في سنواتها القديمة تلك، مؤسسات تربوية تفسح للبلاد مكاناً بين الأمم المُتطلعة للسموّ وللتفوّق. قدم المُربّي الكبير، توثيقاً لازماً لتجربة تربوية، من بواكير التجارب التي اضطلعت بها الإدارات الكولونيالية في القارّة الأفريقية، وهي تكتشف عظم مسؤوليات الأخذ بالشعوب التي جاءوا لاستعمارها، فقادهم فهم عقلائهم لأخلاق الأمم وثقافاتها، فكان هديهم إلى أنبل المقاصد، أن يلتفتوا لعون الشعوب التي استضعفوها. غلاة العُنصريين في الغرب كانوا يصفون التجربة بعبارة "عبء الرجل الأبيض"، لكن بعض أخيارهم، وخاصة بعد انطواء أعوام الحرب الكونية الثانية، رأى روح التشارك بين البشر أحقّ بالاتباع، وجعل العالم ساحة لتعاون الخلاق بين الأمم كافة، أوجب بالالتزام وأدعى بأن تكون الحياة حقاً نتشارك فيه. تلك الروح هي التي أنجزت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 .
(3)
لم تبعد بخت الرّضا عن تلك البيئة العالمية، فكانت مؤسسة تجريبية، خرجتْ من فصولها المتواضعة مناهج تربوية، غاية في التماسك والرصانة، قبل أن ترسخ في العالم الأكاديمي، مقرّرات علم النفس التربويّ. ذلك هو التخصص الذي نال فيه محمد خير عثمان درجة الدكتوراه من الجامعات الأمريكية. ولا ينتابني شكٌ أن لبخت الرضا سهماً أكيداً في تلك الدرجة العلمية. تجربة بخت الرضا مؤسسة تربوية لا نظير لها في القارة، وقد وقف على وضع لبناتها علماء كبار، بريطانيون وسُودانيون، واستقامت على دراسات وبحوث في التاريخ وفي التربية وفي الاجتماع وفي الانثروبولوجيا. لأنّها استنطقت ثقافة البلاد، جُغرافيتها وتقاليدها، فقد رسَختْ مناهجها واقتربت من روح أبناء السودان، ولم يتنطع أدعياءٌ وفدوا من وراء البحار، لفرض مناهج مغايرة لا تتسق وواقع البلاد، بل تولاها بريطانيون شكلوا الجانب الإيجابي في التجربة الكولونيالية، مثل "سكوت" و"كيري" و"جريفيث" و"براون" و"هودجكن" وسواهم. كان لأبناء السودان أمثال عبد الرحمن علي طه وأحمد الطيب أحمد وعبد الرحمن عبد اللطيف وسر الختم الخليفة وجمال محمد أحمد ومكي عباس وفخر الدين محمد ومحمد خير عثمان وأضرابهم، أدواراً بارزةً في رسم ملامح الشخصية السودانية، وفق مناهج تربوية رسخت في السنوات القليلة التي سبقت الاستقلال في عام 1956 .
(4)
لقد أثار الحديث عن بخت الرّضا، شجناً قديماً، ولكن لم تغب في كتاب الدكتور محمد خير، تلك النفحات الأدبية الممتعة، في مقالاته التي ضمنها كتابه البديع، فطاف بنا في عوالم التربية ورجالها الأوائل من القدال إلى محمد توفيق، كما تناول نفحاتٍ في النقد والأدب، من "مسيد" الطيب محمد الطيب، إلى آفاق الطيب صالح البعيدة، وإلى منصور خالد .
ولعلّ ما أعجبني في بعض ما تناول، ذلك التحليل الذكيّ للربط بين الشعر العربي وفن الكاريكاتير ومواهب الإضحاك. لا يكتفي المربّي الكبير، بالتحليل النظري لقصيدة لابن الرومي، بل يلحق بها رسومات كاريكاتيرية مُستوحاة من أبيات الشاعر. كان ظنّي أن الدكتور عثمان قد استعان بفنان ليستنطق له بفرشاته وريشته، تلك الرسومات اللطيفة، فإذا بي اكتشف أنّ ذلك الرّسام هو الدكتور محمد خير نفسه. الشعر الكاريكاتيريّ في الأدب العربي مبحث لم يلتفت إليه المُهتمون  كثيراً. أما مقالاته النقدية فقد بلغ فيها شأواً عالياً، أشار إليه د. منصور خالد في مُقدِّمة كتاب بخت الرّضا، مُبدياً إعجابه برصانة "شايقي" في إبداء ملاحظاته على كتاب منصور الجامع عن السودان "قصة بلدين" .
 (5)
 لقد أُتيح لي بحكم زمالتي في الدبلوماسية لكريمة الدكتور محمد خير عثمان، السفيرة النابهة نادية، أن أكون قريباً من مشروع كتاب المربي الكبير، بل ومُشجِّعا لصيقاً، ومُتابعاً  للجهد العظيم الذي بذلته نادية لإخراج حُلُم والدها، سِفراً يلخص تجربة سنواته الطويلة في الساحات التربوية، في كتاب من بضع مئات من الصفحات، يخرج عن دار مدارك للنشر، حمى الله صاحبها. ومثلما ألمحتْ هي في كلمتها الرصينة في محفل التدشين، فإنّ القواسم الحميمة والتجارب العملية، جعلت من نادية "توأماً" لأبيها، إن جاز لي اعتماد هذه الصفة، فهي وإن لم تتخصّص في التربية، لكنها حملت بين جوانحها  جينات الأستاذية وطُمُوح المُعلِّم، وهي تُمارس مهنتها الدبلوماسية. وفيما هي في انشغال دبلوماسي إبان عملها في البعثة الدائمة للسودان في الأمم المتحدة بالتنمية المستدامة، لم تفتر همّتها عن مُتابعة مخطوطة والدها عن بخت الرّضا ومقالاته الأخرى. يأخذها القلق لتعثّر تحرير بعض أجزاء الكتاب، وهي تدرك حساسية العَِلّة التي يُكابدها الوالد المُربّي، فتوزّع وقتها باقتدار بين مهنتها الدبلوماسية والانقطاع لإنجاز مشروع كتاب الدكتور، يعينها في ذلك أشقاؤها وشقيقاتها، سدنة إرث المربّي الكبير، ردّ الله له عافيته. أمّا الياس فتح الرحمن، الأديب الألمعي وصاحب "مدارك للطباعة والنشر"، فله أجر المُثابرة لإخراج هذا السِّفر الفريد.
(6)
حتى لا يكون وصفي للتوأمة بين السفيرة ووالدها أمراً جزافياً، فقد رأيته منقطعاً لمُهمّته التربوية طيلة سنوات عُمره، عدا أشهرٍ قليلة، فارقها ليكون سفيراً في لندن، ولكن سُرعان ما استأنف انخراطاً تربوياً مُعمّقاً بعد ذلك، في تأسيس جامعة السلطان قابوس في سلطنة عمان. أمّا السفيرة نادية، فتأخذها الأقدار إلى السَّلطنة أيضاً، وبعد أن غادرها والدها بسنوات، مُنتدبة من وزارة الخارجية السودانية، لتضطلع بمهام دبلوماسية واستشارية، تتصل بالتنمية المُستدامة في سلطنة عمان. كان طبيعياً أن يكون سِفر محمد خير عثمان، مُشاركة ذكية بينه وابنته النابهة، التي رعتْ الكتاب في مراحل إعداده وتحريره ومُراجعته، بمحبّة ومُثابرة واجتهاد، وحتى اللحظات الأخيرة التي خرج فيها ليقرأه الناس ويحتفلون بتدشينه في النادي الدبلوماسي في الخرطوم نهاية أبريل 2016. عن السفيرة نادية، قال عنها شقيقها د. نادر محمد خير: إنها الأكثر شبهاً بأبيها من بين كلّ أولاده وبناته.
 (7)
في لحظة حميمية مُفعّمة بمشاعر الوفاء والمحبة، وقف صديقي الكبير عبد المجيد خليفة خوجلي، مُتحاملاً على علة طارئة كادت أن تضيّع صوته، قطفق يُحدّث المُحتفلين عن أستاذه محمد خير عثمان، وقد ظلّ يُؤرِّقه البحث عنه ليلتقيه ويقول له، وقد غالبتْ عيناه دمعاتُ الوفاء:
"أستاذي لك حبّي"..
نحن جيل الستينات من القرن الماضي، نتذكّر ذلك الشريط السينمائي الرائع، عن رواية كتبها الأديب سفير غيانا الراحل " إدوارد براثويت" بذات العنوان، وقد أجاد فيه الممثل الأمريكي "سيدني بواتييه" دور المُربّي الصبور على مناكفات تلاميذه، فأحبهم وأحبوه.. حين هبّ نادر محمد خير عثمان واندفع ليحتضن صديقي عبد المجيد، شملت القاعة لحظة من الحميمية، قلّ أن تلتقي فيها المشاعر على هذا النحو .
 هتفتْ دواخلنا جميعاً: أستاذي لك حبي ..

Let's block ads! (Why?)

  About

سودان اونلاين , عبارة عن محرك بحث اخباري فقط ولا يتحمل المسؤولية عن إي محتوى منشور.

نقوم بنشر اخر الاخبار السياسية العاجلة المباشرة.. اقتصادية وفنية لحظة بلحظة من جميع المواقع كل دقيقة خبر جديد.

  Follow Us
خريطة الموقع
عرض خريطة الموقع
  Contact Us
 Sudan Online Network

U.S.A

Tel : +1 (240) - 705 8566
Mail : Info@SudanOnline.Net
Business Hours : 24/7