+1 240-705-8566
Info@SudanOnline.Net

تلودي: لهب الزئبق والساينايد .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

تلودي: لهب الزئبق والساينايد .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
المصدر: سودانيل تم النشر في: أكتوبر 09, 2019 مشاهدة: 9

تلودي: لهب الزئبق والساينايد .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

 

اشتكي الدكتور بلدو أمس من غيبة قوى الحرية والتغيير من المشهد الصناعي والسياسي النازف في تلودي. وأكثر ما لفت نظري أنا هو غياب أهل التخصصات العلمية والتقنية عن مخاطبة هاجس الناس هناك عن أضرار الساينايد والزئبق الداخلة في صناعة المنجم. ونقل هذا الهاجس لقاء في س 24 كان أحد المتكلمين فيه الرفيق مبارك أردول. فجاء فيه أن الإنقاذ لم تتفضل عليهم بما يطمئن (أو لا يطمئن) على صحتهم وسعيتهم من شرور هذه الصناعة التي اقتحمت حياتهم. وتوقعت أن يهب علماء من قوى الحرية والتغيير بعمل ميداني سريع يفكك ألغاز هذه الكيمائيات في حياتهم. والمطلب من وراء هذه الهبة أن يشق عالم ثورة التغيير عصا الطاعة على خمول الخبرة العلمية عن بلوغ جهات في الأرياف القصية احتاجت لها. وأعادني هذا إلى واقعة علقت فيها على انفصال الخبرة العلمية الحديثة عن أوجاع غمار الناس.

جاء بالصحافة (24-3-2004) تحقيق عن حرائق قرية المدردمة (بولاية القضارف) الغامضة. فمنذ عيد الأضحى الماضي وقطاطي القرية تحترق بنار غامضة لم يشاهد الناس لها مصدراً. وزار الصحفي القرية بعد 42 يوماً من بدء الحرائق. ووجد أن بعض المسؤولين قد طافوا بالقرية. ولم يجد الأهالي عندهم لا تفسيراً للظاهرة ولا استجابة لمطلبهم بتوفير تناكر ماء للمساعدة في إطفاء الحريق. بينما كلفت أكاديمية الشرطة شيخاً من مركز الرقية الشرعية ليتلو القرآن في الحلة. وظل يتلوه لأيام ثلاثة والنار لم يتوقف ضرامها. وقد خلص الشيخ القارئ الي أن النار من فعل عامل آخر غير الجن كافره أو مسلمه.
وليس في أمر هذه الحرائق عجب ولا غموض متي ما نهضت لتفسيرها صحافة نبيهة قائمة على مركز للمعلومات، أو فقهاء العلوم الطبيعة عندنا ممن لهم شفقة بأهلهم. فقد انشغل الرأي العام في آخر السبعينات (لو أسعفتني الذاكرة) بحريق كمثل حريق المدردمة. وكان مسرحه منزلاً حكومياً مما يقع على حافة حي الداخلة بمدينة عطبرة. ولا أزال أذكر عناوين الجريدة التي نقلت الخبر وصور سكان المنزل.

وقد نسيت هذا الأمر حتى وقع نظري وأنا في هذا البلد على قاموس علمي خصص باباً لنوع هذه الحرائق. واسمها بالإنجليزية spontaneous combustion مما أعربه كفاحاً ب "الاضطرام التلقائي". وينشأ مثل هذا الحريق عن تفاعل كيمائي في باطن الشيء يجعله يندلع بالنار من غير مصدر نار خارجي. وقد تعلق الناس بهذه الظاهرة في أوربا لأنها مما شاهده الناس يحدث للبني آدميين. وهذا مما لفها بالإثارة والغموض. وقيل إن صورة الجثة بعد الحريق ثابتة في كل الأحوال. فتبقي القدمان والرجلان سالمة بينما يتحول بقية الجسد الي رماد. وقد نشرت مجلة علمية في عام 2003 تحليلاً كيمائياً لموت السيدة ماري ريزر (67 عاما) التي توفيت بالاضطرام التلقائي وهي تتأرجح علي كرسيها المفضل. وقد امتدت أبحات هذا الحريق الي غير الناس مثل الخرق المعطونة بالزيت التي هي أكثر الأشياء قابلة لمثل ذلك الاضطرام. وربما كان حريق المدردمة ضرباً من الاضطرام التلقائي.

لست أدري كل ملابسات نار المدردمة الغامضة. ولكن كلمة الصحفي بعد أربعين يوماً من المحنة لا توحي بأن أهل المعرفة قد حملوا شيئاً من إستنارتهم الي أهل القرية المكلومة. فقد اتهمت اكاديمية الشرطة الجن بجريرة إشعال النار في القرية وأوفدت لهم "فكي" ليطرده عنهم. وهذا من قولنا "كحامل التمر الي هجر". فلا أعتقد أن أهل المدردمة غاب عنهم القيام بطقوس توبيخ الجن وزجره أول ما قامت هذه الحرائق. فإرسال الفكي هو بضاعة اهل المدردمة ردت إليهم. لولا أن زاجر الجن البوليسي أصبح فكياً حكومياً أفندياً.

وقد حملتني واقعة تقاعس علماء الحكومة (غير الفكيا) عن تنوير مواطنيهم بأسرار الطبيعة وعلومها الي بعض تأملات حول خيبة المثقف الحديث في ان يكون وطناً روحياً للشعب. فحتي حين يكون العالم منهم هو المالك لمفتاح مثل الغموض الذي لف أهل المدردمة تجده يعتزل الساحة تأففاً ويفوض فكياً مختصاً في "علوم الرجرجة والدهماء والدردمة".

وعدت بذاكرتي الي ما كتبه المرحوم حسن نجيلة في باب "لون من الفكر العلمي" في كتابه "ملامح من المجتمع السوداني" عن تصدي المرحوم الزعيم إسماعيل الأزهري أيام كان طالباً بكلية غردون لظاهرة طبيعية غمضت على الناس وأوضحها بنور العلم. فقد إنشغل الناس في 1921 بما أسموه بئر دنقلا الغريبة. نزل فيها مواطن لحاجة له فغاب حتى أشفق أخ له فنزل البئر فغاب بدوره. وتكرر نزول مشفق وغيابه ست مرات. ونزل أخيراً شيخ البلد نفسه وتلاشي في البئر. وبلغ الخبر مركز الخندق وجاء الضابط وأنزل كلباً في البئر فخرج ميتاً. ثم انزل لمبة وخرجت مطفأة. وبعث مراسل جريدة الحضارة من دنقلا بهذه القصة الي الجريدة فنشرتها. وتلقت الجريدة توضيحاً لغرابة بئر دنقلا من المرحوم الزعيم الطالب. وقال في توضيحه إن الناس والكلاب ماتت بالإختناق بغاز حامض الكربونيك الذي غالباً ما تراكم في الآبار المهجورة. ويختنق به الكائن الحي أو الفانوس المنير لعدم وجود الهواء اللازم للتنفس في طبقاته المتراكمة المنسية. وقال نجيلة إنه ما فرغ من قراءة هذه القصة حتى أثني على رعيل الوطنيين الذين خرجوا لتنوير أهلهم. غير أن محدثه قال له إن ما لفت إنتباهه حقاً هو جراءة هولاء الرجال على المجهول. فقد كان يمكن للحلة كلها ان تهلك في البئر.
هل ما زالت المدردمة تخوض في لهب مجهول نارها . . . يا رب؟
هل ما زالت تلودي تخوض في لهب مجهول زئبقها . . . يا رب؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  About

سودان اونلاين , عبارة عن محرك بحث اخباري فقط ولا يتحمل المسؤولية عن إي محتوى منشور.

نقوم بنشر اخر الاخبار السياسية العاجلة المباشرة.. اقتصادية وفنية لحظة بلحظة من جميع المواقع كل دقيقة خبر جديد.

  Follow Us
خريطة الموقع
عرض خريطة الموقع
  Contact Us
 Sudan Online Network

U.S.A

Tel : +1 (240) - 705 8566
Mail : sudanonline@yahoo.com
Business Hours : 24/7