+1 240-705-8566
Info@SudanOnline.Net

نزيف التشققات في دنيا العرب

نزيف التشققات في دنيا العرب
المصدر: الخليج تم النشر في: يناير 25, 2020 مشاهدة: 10

نزيف التشققات في دنيا العرب

مقالات

نزيف التشققات في دنيا العرب

تاريخ النشر: 25/01/2020

د. نسيم الخوري

لا يعني امتلاك القشرة، في البلاد التي يمطّ أهلها وحكّامها أعناقهم منبهرين وبغير نضج، لتقليد العواصم الكبرى، خطوة معاصرة تكفل التمكن من النواة. التحدي قائم في امتلاك اللب. أنت قد تأكل الثمرة بقشرتها ولحاها وبذورها الصغيرة إن كنت من رواد الفلسفة الصحيّة السائدة في هذا العصر، وأنت قد ترمي نواتها مع إدراكك المنسي بأنها تختزن الحياة مجدداً إذا ما زرعتها ورعيتها ولم تنزلق خارج تاريخك ومجتمعك، وعبر هذه الملاحظة أنت قادر، إذاً، على المشاركة في خلق الأفكار وتوليد الأجيال والمخترعات الجديدة اللامتناهية في قدرية الصداقة بين الحياة والموت وبين الدول مهما كانت كبرى فأنت جزء من الحضارة المعاصرة. هنا يكمن الوصل المتلازم المعقد بين الإيمان والعقل.
قد يوقظ هذا التحول الشكلي العام الدهشة؛ بل البهجة العارمة لدى الكثيرين بسهولة اقتناء «الحضارة» الجديدة وهو يوقظ أيضاً الرفض الكامل لدى الآخرين لهذه المظاهر المستوردة التي تولّد الغربة والإحباط وكأنها تقلع التاريخ المألوف من أمكنته الراسخة المألوفة. يبرز الشكل متقدماً في ميادين التحولات التي يصعب التماسها لدى الأفراد والمجتمعات التقليدية وأنظمة الحكم الحذرة والخائفة إن لم تأت الجرعات مدروسة في هذا التغيير وإلا قد يذهب الرافضون ورجال الدين تحديداً إلى ربط الشكل بتهديد المضمون الأنقى الذي ترتكز عليه الدول والمجتمعات المحافظة على الأعراف والتقاليد.
يمكن الإشارة، في هذا المجال عربياً إلى مستويين.
1- مستوى الفرد: هو صورة عن الرجل مثلاً في عائلته ومحيطه بصفته جسر البيت وحاملاً لتسمية الرب. هو رب البيت ورب العائلة ورب العمل وهو راسخ في ثوابت متجذرة وتتعقّد مصالحته مع المرأة نصفه الآخر المهمل والمهمّش الذي يبدو مالئاً الدنيا عبر الشاشات. يبقى متهالكاً على التقديس والثوابت وكأنه لم يصبه الشك والبحث أو لم ينتبه لما يحصل من حوله. تلك الإصابة قد تحصل سراً وتتفاعل، وهي مقبولة إن كانت خارج الأسرار والأسوار العائلية والاجتماعية. قد يتحرك الفرد بأزياء أجداده الأولى في موطنه الأصلي ذكراً وأنثى؛ حيث لا يوجد فرق كبير بين الطبقات الاجتماعية، لكنه يستغرق في عظمة الأمكنة البعيدة ليبدو ابن مجتمعين متناقضين ويتكيّف مع جيلين مزدوجين وثقافتين متباعدتين ولو بالشكل، لكنهما يتقاربان في تزويج القديم والجديد بما يورث الفرد ثنائيات متعددة وتشقّقات بين الظاهر والباطن يصعب إخفاؤها.
وإذا ما غاب الشكل وتعرّى الجوهر بفعل غزو قوي عسكري غريب للمجتمع التقليدي، يتحوّل الفرد بسرعة غريبة إلى احتضان البطل/الزعيم/الحاكم/الحامي للماضي العريق، يحترق فيه كلامياً ويسايره فيتناثر. وإذ يذوي البطل أو يقتل أو يصدم بتحريك المجتمع، تنقلب الدنيا الخارجية عليه أو يتحول البطل إلى «قديس» عبره هموم العجز عن التغيير أو يوصمونه بأقذع الأوصاف مثل العمالة والظالمية والكفر المستورد. تتمدد الازدواجيات في بلادنا بانتظار بطلٍ جديد قد يكون فرداً أو حزباً مستورداً أو دولة كبرى خارجية تحمي قبوله وانفتاحه على معظم الأفكار والعقائد.
أ- في المستوى العام: تبرز أزمات التفاعل مع الآخر المحرّض أو المحوّل أو الغريب مهما كان إنساناً أو لغة أخرى أو آلة جديدة مبتكرة أو «حضارة» بمعناها الشامل. وتصبح العلاقة مع هذا الآخر مسنودة إلى الاقتناء السهل لمكتشفات الشعوب الأخرى لا بقبول حصيلة التغيير الإنساني المنتظر. إنها علاقة اقتباس وتشاوف بالمقتبس أحياناً لا علاقة تفاعل وتغيير. علاقات انفعال وردود أفعال لا علاقات تأثر ومصالحة وتبادل خبرات وتجارب. لا الجوهر الديني ببراءته المطلقة المطبقة على الزمان كفيل أو قادر على الإجابة عن أسئلة العصور المتلاحقة التي تعمّق المسافات بين الثقافات والشعوب، ولا المستوردات والمقتنيات الساقطة كالمطر ومثل أشعة الشمس قادرة أن تراكم الاستجابات لحاجات الناس وتطلّعاتهم نحو المضامين المتطورة والتجارب الجديدة ومقتضياتها الفكرية والثقافية على الأقل، بمعنى المأكل والمشرب والملبس والتزاوج والسلوك العام والقدرة على هضم أو مداواة المتغيرات التي تؤرّق المجتمعات الهادئة.
هكذا تبرز الأسباب التي تتوه عبرها الأجيال وتنقسم الآراء والأفكار وتفتح الأبواب الموصدة بسهولة على التجزئة والتفريق وتوسيع الشقوق وتسهيل الصراعات والحروب. ويغدو المجتمع الواحد سواء أكان متآلفاً دينياً ومذهبياً وثقافياً أم مسكوناً بالتربص والخشية والتباعد غير المباح، مجتمعات متعددة لا تنوع فيها، متنافرة، متقاتلة، ينكفئ بعضها نحو أوراق السلف ملتمساً السلامة، ويضيع البعض الآخر في اجتهادات ترسّخ الجوهر لبريق العصرنة المتحول أبداً.

  About

سودان اونلاين , عبارة عن محرك بحث اخباري فقط ولا يتحمل المسؤولية عن إي محتوى منشور.

نقوم بنشر اخر الاخبار السياسية العاجلة المباشرة.. اقتصادية وفنية لحظة بلحظة من جميع المواقع كل دقيقة خبر جديد.

  Follow Us
خريطة الموقع
عرض خريطة الموقع
  Contact Us
 Sudan Online Network

U.S.A

Tel : +1 (240) - 705 8566
Mail : sudanonline@yahoo.com
Business Hours : 24/7